فهرس الكتاب
وحكى بن التين عن بعض من جوز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله فقد لغوت أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه وهو جمود شديد لأن الإنصات لم يختلف في مطلوبيته فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغيا بل النهي عن الكلام مأخوذ من الحديث بدلالة الموافقة لأنه إذا جعل قوله أنصت مع كونه أمرا بمعروف لغوا فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغوا
ولأحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث بعد قوله فقد لغوت عليك بنفسك اه
وقال الباجي معناه المنع من الكلام وأكد ذلك بأن من أمر غيره بالصمت حينئذ فهو لاغ لأنه قد أتى من الكلام بما ينهي عنه كما أن من نهى في الصلاة مصليا عن الكلام فقد أفسد على نفسه صلاته وإنما نص على أن الأمر بالصمت لاغ تنبيها على أن كل مكلم غيره لاغ واللغو رديء الكلام وما لا خير فيه اه
وقال الأخفش اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه وقال الحسن بن عرفة السقط من القول وقيل الميل عن الصواب وقيل الإثم لقوله تعالى { وإذا مروا باللغو مروا كراما } سورة الفرقان الآية 72 وقال الزين بن المنير اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام وأغرب أبو عبيد الهروي في الغريب فقال معنى لغى تكلم كذا أطلق والصواب التقييد قال الحافظ أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى واستدل بالحديث على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة وبه قال الجمهور في حق من يسمعها وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر قالوا وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين ولفظه لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات على من سمعها في الجمعة وأنه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم والإمام يخطب أنصت ونحوها آخذا بهذا الحديث
وروي عن الشعبي وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة الإمام في الخطبة خاصة وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم وأحسن أحوالهم أن يقال إنه لم يبلغهم الحديث اه
وللشافعي في المسألة قولان مشهوران وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا فعلى الأول يحرم لا على الثاني وهو الأصح عندهم فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتى شنع عليهم من شنع من المخالفين
وعن أحمد أيضا روايتان وعنهما أيضا التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها والذي يظهر أن من نفى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة بخلاف غيره اه
وفيه نظر إذ القائلون بوجوب الإنصات لا يجعلونه شرطا في صحة الجمعة وعلى ما ذكره يكون الخلاف لفظيا وليس كذلك وقد قال هو قبل ذلك كما مر في حديث علي مرفوعا عند أحمد ومن قال صه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له ما نصه قال العلماء معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه اه