فهرس الكتاب
( فقال يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن ) أنتفع بهن في معيشتي ( ولا تكثر علي فأنسى ) وفي رواية قل في الإسلام قولا وأقلل لعلي أعقله ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغضب ) قال ابن عبد البر أراد والله أعلم علمني ما ينفعني بكلمات قليلة لئلا أنسى إن أكثرت علي ولو أراد علمني كلمات من الذكر ما أجابه بهذا الكلام القليل الألفاظ الجامع للمعاني الكثيرة والفوائد الجليلة ومن كظم غيظه ورد غضبه أخزى شيطانه وسلمت له مروءته ودينه
قال علماؤنا وإنما نهاه عما علم أنه هواه لأن المرء إذا ترك ما يشتهي كان أجدر أن يترك ما لا يشتهي وخصوصا الغضب فإن ملك نفسه عنده كان شديدا
وإذا ملكها عند الغضب كان أحرى أن يملكها عن الكبر والحسد وأخواتهما
وقال الباجي جمع له صلى الله عليه وسلم الخير في لفظ واحد لأن الغضب يفسد كثيرا من الدين والدنيا لما يصدر عنه من قول أو فعل ومعنى لا تغضب لا تمض على ما يحملك غضبك عليه وامتنع وكف عنه
وأما نفس الغضب فلا يملك الإنسان دفعه وإنما يدفع ما يدعوه إليه
وكذا قال ابن حبان أراد لا تعمل بعد الغضب شيئا مما ينشأ عنه لا أنه نهاه عن شيء جبل عليه
وقال الخطابي أي اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه لأن نفس الغضب مطبوع في الإنسان لا يمكن إخراجه من جبلته
قال الباجي وإنما أراد منعه من الغضب في معاني دنياه ومعاملاته وأما فيما يعود إلى القيام بالحق فقد يجب كالقيام على أهل الباطل والإنكار عليهم بما يجوز وقد يندب وهو الغضب على المخطىء كغضبه صلى الله عليه وسلم لما سأله رجل عن ضالة الإبل ولما شكى إليه معاذ أنه يطول في الصلاة وقال بعضهم وقد اشتملت هذه الكلمة اللطيفة وهي من بدائع جوامع كلمه التي خص بها صلى الله عليه وسلم على ما لا يحصى بالعد من الحكم واستحباب المصالح والنعم ودرء المفاسد والنقم وذلك أن الله خلق الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان مهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم لأن البشرة تحكي لون ما وراءها وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه وإن غضب ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون حزنا وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر فيترتب على الغضب تغير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال على غير ترتيب واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته وتغير الباطن وقبحه أشد لأنه يولد حقد القلب والحسد وإضمار السوء ومزيد الشماتة وهجر المسلم ومصارمته والإعراض عنه والاستهزاء والسخرية ومنع الحقوق بل أول شيء يقبح منه باطنه وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه هذا كله أثره في الجسد
وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحيي منه العاقل ويندم قائله عند سكون غضبه ويظهر أثره أيضا في الفعل بالضرب والقتل فإن فات بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوبه ويلطم خده وربما سقط صريعا وربما أغمي عليه