فهرس الكتاب

الصفحة 1900 من 2136

وربما كسر الآنية وضرب من لا جريمة له فيه وللغضب دواء مانع وواقع فالمانع ذكر فضل الحلم وما جاء في كظم الغيظ من الفضل وما ورد في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد وخوف الله كما حكي عن بعض الملوك أنه كتب ورقة فيها ارحم من في الأرض يرحمك من السماء

ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء

ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء

اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب

ثم دفعها إلى وزيره فقال إذا غضبت فادفعها إلي فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه فينظر فيها فيسكن غضبه والرافع للغضب نحو المذكور عن هذا الملك والاستعاذة من الشيطان ويتوضأ كما جاء في حديث

وإن غضب وهو قائم قعد أو هو قاعد اضطجع كما في حديث

والقصد أن يبعد عن هيئة الوثوب ولا يسرع إلى الانتقام ما أمكن حسبما المادة المبادرة

وأقوى الأشياء في دفعه استحضار التوحيد الحقيقي التام وأنه لا فاعل في الوجود إلا الله وكل فاعل غيره فهو آلة فمن توجه إليه مكروه من جهة غيره فاستحضر أنه تعالى لو شاء لم يمكن ذلك الغير منه اندفع غضبه لأنه لو غضب والحالة هذه كان غضبه إما على الخالق وهو جرأة تنافي العبودية أو على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد ولذا قال أنس خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله ولكن يقول قدر الله وما شاء فعل ولو قدر لكان ما ذاك إلا لكمال معرفته بأنه لا فاعل ولا معطي ولا مانع ولا نافع ولا ضار إلا الله وما سواه آلة للفعل كالسيف للضارب فالفاعل هو الله وحده وله آلات كبرى وصغرى ووسطى فالكبرى من له قصد واختيار كالإنسان الضارب بالعصا والصغرى ما لا قصد له ولا اختيار كالعصا المضروب بها والوسطى ما لا قصد له ولا عقل كالدابة ترفس وبهذا يظهر سر أمر صلى الله عليه وسلم لمن غضب أن يستعيذ من الشيطان لأنه إذا توجه إلى الله في تلك الحالة بالاستعاذة به أمكنه استحضار ما ذكر وإن استمر الشيطان متمكنا من الوسوسة لم يمكنه استحضار شيء من ذلك والله المستعان

( مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد ) أي القوي ( بالصرعة ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء أي الذي يكثر منه صرع الناس قال الباجي ولم يرد نفي الشدة عنه فإنه يعلم بالضرورة شدته وإنما أراد أنه ليس بالنهاية في الشدة منه الذي يملك نفسه عند الغضب أو أراد أنها شدة ليس لها كبير منفعة وإنما الشدة التي ينتفع بها شدة الذي يملك نفسه عند الغضب كقولهم لا كريم إلا يوسف لم يرد به في الكرم عن غيره وإنما أريد إثبات مزية له في الكرم

وكذا لا سيف إلا ذو الفقار ولا شجاع إلا علي انتهى

فالنفي للمبالغة أي ليس القوي الذي يصرع أبطال الرجال ويلقيهم إلى الأرض بقوة ( إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) بأن لا يفعل موجبات الغضب فإنه إذا ملكها كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت