فهرس الكتاب
وربما كسر الآنية وضرب من لا جريمة له فيه وللغضب دواء مانع وواقع فالمانع ذكر فضل الحلم وما جاء في كظم الغيظ من الفضل وما ورد في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد وخوف الله كما حكي عن بعض الملوك أنه كتب ورقة فيها ارحم من في الأرض يرحمك من السماء
ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء
ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء
اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب
ثم دفعها إلى وزيره فقال إذا غضبت فادفعها إلي فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه فينظر فيها فيسكن غضبه والرافع للغضب نحو المذكور عن هذا الملك والاستعاذة من الشيطان ويتوضأ كما جاء في حديث
وإن غضب وهو قائم قعد أو هو قاعد اضطجع كما في حديث
والقصد أن يبعد عن هيئة الوثوب ولا يسرع إلى الانتقام ما أمكن حسبما المادة المبادرة
وأقوى الأشياء في دفعه استحضار التوحيد الحقيقي التام وأنه لا فاعل في الوجود إلا الله وكل فاعل غيره فهو آلة فمن توجه إليه مكروه من جهة غيره فاستحضر أنه تعالى لو شاء لم يمكن ذلك الغير منه اندفع غضبه لأنه لو غضب والحالة هذه كان غضبه إما على الخالق وهو جرأة تنافي العبودية أو على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد ولذا قال أنس خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله ولكن يقول قدر الله وما شاء فعل ولو قدر لكان ما ذاك إلا لكمال معرفته بأنه لا فاعل ولا معطي ولا مانع ولا نافع ولا ضار إلا الله وما سواه آلة للفعل كالسيف للضارب فالفاعل هو الله وحده وله آلات كبرى وصغرى ووسطى فالكبرى من له قصد واختيار كالإنسان الضارب بالعصا والصغرى ما لا قصد له ولا اختيار كالعصا المضروب بها والوسطى ما لا قصد له ولا عقل كالدابة ترفس وبهذا يظهر سر أمر صلى الله عليه وسلم لمن غضب أن يستعيذ من الشيطان لأنه إذا توجه إلى الله في تلك الحالة بالاستعاذة به أمكنه استحضار ما ذكر وإن استمر الشيطان متمكنا من الوسوسة لم يمكنه استحضار شيء من ذلك والله المستعان
( مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد ) أي القوي ( بالصرعة ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء أي الذي يكثر منه صرع الناس قال الباجي ولم يرد نفي الشدة عنه فإنه يعلم بالضرورة شدته وإنما أراد أنه ليس بالنهاية في الشدة منه الذي يملك نفسه عند الغضب أو أراد أنها شدة ليس لها كبير منفعة وإنما الشدة التي ينتفع بها شدة الذي يملك نفسه عند الغضب كقولهم لا كريم إلا يوسف لم يرد به في الكرم عن غيره وإنما أريد إثبات مزية له في الكرم
وكذا لا سيف إلا ذو الفقار ولا شجاع إلا علي انتهى
فالنفي للمبالغة أي ليس القوي الذي يصرع أبطال الرجال ويلقيهم إلى الأرض بقوة ( إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) بأن لا يفعل موجبات الغضب فإنه إذا ملكها كان