فهرس الكتاب
انتهى
وفي رواية فيصد هذا ويصد هذا وهما بمعنى ويعرض بضم التحتية فيهما والجملة استئنافية بيان لصفة الهجر ويجوز أن يكون حالا من فاعل يهجر ومفعوله معا
( وخيرهما ) أي أفضلهما وأكثرهما ثوابا ( الذي يبدأ ) أخاه ( بالسلام ) لأنه فعل حسنة وتسبب إلى فعل حسنة وهي الجواب مع ما دل عليه ابتداؤه من حسن طويته وترك ما كرهه الشرع من الهجر والجفاء وهذه الجملة عطف على الجملة السابقة من حيث المعنى لما يفهم منها أن ذلك الفعل ليس بخير وعلى أن الأولى حال فهذه الثانية عطف على لا يحل
وزاد الطبراني من وجه آخر عن الزهري بعد قوله بالسلام يسبق إلى الجنة
ولأبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه فإن رد فقد اشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة قال ابن عبد البر هذا العموم مخصوص بحديث كعب بن مالك ورفيقه حيث أمر أصحابه بهجرهم قال وأجمع العلماء على أن من خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه أو يدخل عليه مضرة في دنياه أنه يجوز له مجانبته وبعده ورب هجر جميل خير من مخاطبة مؤذية
وقال النووي وردت الأحاديث بهجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة وأنه يجوز هجرانهم دائما والنهي عن الهجران فوق ثلاث إنما هو لمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائم انتهى
وما زالت الصحابة والتابعون فمن بعدهم يهجرون من خالف السنة أو من دخل عليهم من كلامه مفسدة وأخذ بعضهم منه أن ابتداء السلام أفضل من رده وتعقب بأنه ليس فيه ذلك إنما فيه أن المبتدىء خير من المجيب من حيث أنه ابتدأ بترك ما كرهه الشرع من التقاطع لا من حيث أنه مسلم
قال الباجي وعياض وغيرهما وفيه أن السلام يخرج من الهجران وهو قول مالك والأكثرين
وقال أحمد وابن القاسم لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولا
وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به وتابعه يونس والزبيدي وسفيان وعبد الرزاق كلهم عن الزهري عند مسلم قائلا بإسناد مالك ومثل حديثه إلا قوله فيعرض هذا ويعرض هذا فإنهم جميعا قالوا فيصد هذا ويصد هذا
( مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ) رضي الله عنه ( أن رسول الله قال لا تباغضوا ) بحذف إحدى التاءين فيه وفي تالييه أي لا تتعاطوا أسباب التباغض ولا تفعلوا الأهواء المضلة المقتضية للتباغض والتجانب لأن التباغض مفسد للدين
( ولا تحاسدوا ) بأن يتمنى أحدكم زوال النعمة عن أخيه فإن سعى في ذلك كان باغيا وإن لم يسع في ذلك ولا تسبب فيه فإن كان المانع عجزه بحيث لو تمكن فعل فإنه آثم وإن كان المانع التقوى فقد يعذر لأنه لا يملك دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدة نفسه عدم العمل والعزم عليه
ولعبد الرزاق مرفوعا ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منهن يا رسول الله قال فإذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وروى ابن عبد البر عن الحسن البصري ليس أحد من ولد