فهرس الكتاب
وكأن المنافسة هي الغبطة وأبعد من فسرها بالحسد لأنه عطفه عليها فقال ( ولا تحاسدوا ) أي لا يتمنى أحدكم زوال النعمة عن غيره
وقال ابن العربي التنافس هو التحاسد في الجملة إلا أنه يتميز عنه بأنه سببه
وقال ابن عبد البر المراد التنافس في الدنيا ومعناه طلب الظهور فيها على الناس والتكبر عليهم ومنافستهم في رياستهم والبغي عليهم وحسدهم على ما آتاهم الله منها وأما التنافس والحسد على الخير وطرق البر
فليس من هذا في شيء
( ولا تباغضوا ) أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن البغض لا يكتسب ابتداء
وقيل المراد النهي عن الأهواء المضلة المقتضية للتباغض
قال الحافظ بل هو أعم من الأهواء لأن تعاطي الأهواء ضرب من ذلك وحقيقة التباغض أن يقع بين اثنين وقد يطلق إذا كان من أحدهما والمذموم منه ما كان في غير الله أما في الله فواجب يثاب فاعله لتعظيم حق الله ولو كانا أو أحدهما من أهل السلامة كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر فيبغضه على ذلك وهو معذور عند الله
( ولا تدابروا ) قال الخطابي لا تتهاجروا فيهجر أحدكم أخاه مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه قال ابن عبد البر إنما قيل للإعراض مدابرة لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره والمحب بالعكس وقيل معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر وقيل للمستأثر مستدبر لأنه يولي دبره حتى يستأثر بشيء دون الآخر
وقال المازري معنى التدابر المعاداة تقول دابرته أي عاديته وقيل معناه لا تتخاذلوا بل تعاونوا على البر والتقوى
قال القرطبي وغيره هذه أمور غير مكتسبة فلا يصح التكليف بها فيصرف النهي إلى أسبابها أي لا تفعلوا ما يوجب ذلك
( وكونوا عباد الله إخوانا ) قال القرطبي اكتسبوا ما تصيرون به كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة ولعل قوله في رواية مسلم كما أمركم الله هذه الأوامر المتقدم ذكرها فإنها جامعة لمعاني الأخوة ونسبها إلى الله لأن الرسول مبلغ عنه قال الطيبي يجوز أن إخوانا خبر بعد خبر وأنه بدل وأنه الخبر وعباد الله منصوب على الاختصاص وهذا الوجه أوقع يعني أنتم مستوون في كونكم عبيد الله وملتكم واحدة والتباغض وما معه مناف لذلك والواجب أن تكونوا إخوانا متواصلين متآلفين
وقال الزركشي انتصب عباد الله على النداء أو حذف حرفه وإخوانا خبر ويجوز أنهما خبران ويجوز أن الخبر عباد الله وإخوانا حال وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به لا أنه وقع في رواية عبد الله ولا تناجشوا بدل قوله ولا تنافسوا وكذا وقع في بعض طرق الحديث من وجه آخر قال عياض النجش المنهي عنه في البيع أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها وليس المراد هنا وإنما المراد النهي عن ذم بعضهم بعضا وقيل النجش التنفير نجش الصيد نفره والنجش أيضا الإطراء فمعنى لا تناجشوا لا ينافر بعضكم بعضا أي لا يعامله من القول بما ينفره كما ينفر الصيد بل يسكنه ويؤنسه ويرجع إلى معنى لا تقاطعوا ولا تدابروا ولكن في رواية ولا يبع بعضكم على بيع بعض وهذا يوافق معنى المناجشة في البيع ويكون من الزيادة أو من التنفير عن سلعة غيره بإطراء سلعته
وقال