فهرس الكتاب
على الاغتسال وليس في الحديث بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل وإنما أرشد إلى تبريدها بالماء فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن إغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعماله على وجه ينفع فيبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به وهو كما أمر العائن بالاغتسال وأطلق وقد ظهر من الحديث الآخر أنه أراد الاغتسال على صفة مخصوصة لا مطلق الاغتسال فكذلك هنا يحمل على ما بينته أسماء لأنها من جملة من رواه فهي أعلم بالمراد من غيرها
وقال المازري لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى أن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له كغضب يحمي مزاجه مثلا فيتغير علاجه ومثل ذلك كثير فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة لم يلزم وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال وأجمع الأطباء على أن الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع ثم ذكر نحو ما مر ثم قال وعلى تقدير أن يراد الاغتسال فيحتمل أنه في وقت مخصوص بعدد مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع عليها صلى الله عليه وسلم بالوحي ويضمحل عند ذلك كلام الأطباء ويحتمل أن يكون ذاك لبعض الحميات دون بعض وهذا أوجه
وقال عياض لم يبين صلى الله عليه وسلم الصفة والحالة فمن أين أنه أراد الانغماس والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يبرد صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرد نعم ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد فلا يبعد أنه صلى الله عليه وسلم أراد هذا النوع من الحمى والغسل على مثل ما قالوه أو قريب منه وقد تأولت أسماء الحديث على نحو ما قلناه وقد شاهدته صلى الله عليه وسلم وهي في القرب منه على ما علم انتهى
والحاصل أن الحمى أنواع منها ما يصلح له الإبراد بالماء ومنها ما لا يصلح والذي يصلح إبراده بالماء يختلف أيضا فمنه ما يصلح أن يرش بين بدن المحموم وجيبه أو يقطر على صدره من السقاء فلا يجاوز ذلك منه ما يحتاج إلى صب الماء على رأسه وسائر بدنه أو إلى انغماسه في النهر الجاري مرة فأكثر وذلك باختلاف نوع المرض وكما يختلف بذلك يختلف أيضا بحسب اختلاف الفصل والقطر والمزاج فلا يسوى بين الشتاء والصيف ولا بين الشام ومصر ولا بين مصر والحجاز ولا بين من مزاجه بارد رطب وبين من مزاجه حار يابس ولا بين من به نزلات وتحدرات وبين غيره هذا هو المقرر من قواعد الطب
وأخرج الترمذي عن ثوبان مرفوعا إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء يستنقع في نهر جار ويستقبل جريته وليقل بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام فإن لم يبرأ فخمس وإلا فسبع وإلا فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله قال الترمذي غريب وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه وهذا ينزل على من ينفعه ذلك ونزل أيضا بأنه خارج عن قواعد الطب دخل في قسم المعجزات ألا ترى أنه قال فيه صدق رسولك وبإذن الله قال الزين العراقي عملت