بدليل فبقي ما عداه على الأصل على أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه بإسناد حسن عن أبي هريرة أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة وقال به بعض أهل الظاهر ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له أخرجه مسلم
قال القرطبي ذكر الوضوء وما معه مرتبا عليه الثواب المقتضي للصحة يدل على أن الوضوء كاف وأجيب بأنه ليس فيه نفي الغسل وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ من اغتسل فيحتمل أن ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء ومنها حديث ابن عباس أنه سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو فقال لا ولكنه أطهر لمن اغتسل ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه وسأخبركم عن بدء الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون وكان مسجدهم ضيقا فلما آذى بعضهم بعضا قال أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا
قال ابن عباس ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع المسجد أخرجه أبو داود والطحاوي وإسناده حسن لكن الثابت عن ابن عباس خلافه ففي البخاري عن طاوس قلت لابن عباس ذكروا أن النبي قال اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبا وأصيبوا من الطيب قال ابن عباس أما الغسل فنعم وما الطيب فلا أدري وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدال على الوجوب وأما نفي الوجوب فهو موقوف لأنه من استنباط ابن عباس وفيه نظر إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب كما في الرمل والجمار وعلى تسليمه فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به وهذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف وعبد الله بن مسلمة عن مالك به ومسلم عن يحيى بلفظ الغسل يوم الجمعة الخ
رح 227 ( مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله قال إذا جاء أحدكم ) بإضافة أحد إلى ضمير الجمع وذلك يعم الرجال والنساء والصبيان والمشهور من مذهب مالك وهو رواية ابن القاسم عنه أن الغسل يسن لمن أتى الجمعة ممن تجب عليه أو لا من مسافر أو عبد أو امرأة أو صبي إذا أتوها ولمالك في المختصر أن من لا تلزمه إن حضرها لابتغاء الفضل شرع له الغسل وسائر آداب الجمعة وإن حضرها لأمر اتفاقي أو لمجرد الصلاة فلا
( الجمعة ) أي الصلاة أو المكان الذي تقام فيه وذكر المجيء لكونه الغالب وإلا فالحكم شامل لمن كان مقيم بالجامع
( فليغتسل ) الفاء للتعقيب فظاهره أن الغسل يعقب المجيء وليس بمراد وإنما المراد إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل رواه بهذا اللفظ الليث عن نافع عند مسلم ونظيره قوله تعالى { إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } سورة المجادلة الآية 12 فإن معناه إذا أردتم المناجاة بلا خلاف ويقوي رواية الليث حديث أبي هريرة السابق من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فهو صريح في تأخر الرواح عن الغسل وبهذا علم