فإذا عبد الله بن عمر جالس فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقي الأيسر فقال عبد الله يقول ناس فذكر الحديث
وكان ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئا لم يتحققه عنده فقدمها على ذلك للأمر المظنون ولا بعد أن يكون قريب عهد بقول من نقل عنهم ما نقل فأحب أن يعرفه هذا الحكم لينقله عنه على أنه لا يمتنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما فإن لإحداهما بالأخرى تعلقا بأن يقال لعل الذي كان يسجد وهو لاصق بطنه بوركيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه في كل حال وأحوال الصلاة أربعة قيام وركوع وسجود وقعود وانضمام الفرج فيها بين الوركين ممكن إلا إذا جاء في السجود فرأى أن في الإلصاق ضما للفرج ففعله ابتداعا وتنطعا
والسنة بخلاف ذلك والستر بالثياب كاف في ذلك كما أن الجدار كاف في كونه حائلا بين العورة والقبلة إن قلنا إن مثار النهي الاستقبال بالعورة فلما حدث ابن عمر التابعي بالحكم الأول أشار له بالحكم الثاني منبها له على ما ظنه منه في تلك الصلاة التي رآه صلاها
وقول واسع لا أدري يدل على أنه لا شعور عنده بشيء مما ظنه به ولذا لم يغلظ له ابن عمر في الزجر
وفي حديث ابن عمر دلالة على جواز استدبار القبلة في الأبنية وحديث جابر على جواز استقبالها وقد رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم عن جابر كان نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافا لزاعمه بل محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه لأن ذلك هو المعهود من حاله لمبالغته في الستر ورؤية جابر وابن عمر له كانت بلا قصد ودعوى أن ذلك خصوصية لا دليل عليه إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال ولولا حديث جابر لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا الاستدبار فقط ولا يصح إلحاق الاستقبال به وقد تمسك به قوم فقالوا يجوز الاستدبار دون الاستقبال وبالفرق بين البنيان والصحراء مطلقا قال الجمهور ومالك والشافعي وإسحاق وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة
وقال قوم بالتحريم مطلقا وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد وأبي ثور ورجحه من المالكية ابن العربي ومن الظاهرية ابن حزم وحجتهم أن النهي مقدم على الإباحة ولم يصححوا حديث جابر وقال قوم بالجواز مطلقا وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود لأن الأحاديث تعارضت فرجع إلى أصل الإباحة وقيل يجوز الاستدبار في البنيان فقط لحديث ابن عمر وبه قال أبو يوسف وقيل يحرم مطلقا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس لحديث معقل الأسدي نهى أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط رواه أبو داود وغيره وهو ضعيف وعلى تقدير صحته فالمراد به أهل المدينة ومن على سمتها لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة استدبارها لا استقباله وقيل يختص التحريم بأهل المدينة ومن على سمتها فأما من قبلته في المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا لعموم قوله شرقوا أو غربوا انتهى