فهرس الكتاب
لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريب الصوم من الله فالمعنى أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وإلى هذا أشار ابن عبد البر وقيل معناه أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم وهو قريب مما قبله وقيل معناه أن الله يثيبه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكا وقيل معناه أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض
وقال الداودي وجماعة المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب في الجمع والأعياد ومجالس الذكر والخير وصححه النووي وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا
ونقل القاضي حسين أن للطاعات يوم القيامة ريحا يفوح قال فريح الصيام فيها بين العبادات كالمسك وقيل المعنى أطيب عند ملائكة الله وأنهم يستطيبون الخلوف أكثر من كان عندنا بصدد ذلك
وقال ابن بطال أي أزكى عند الله إذ هو تعالى لا يوصف بالشم
وقال ابن المنير لكنه يوصف بأنه عالم بهذا النوع من الإدراك وكذلك بقية المدركات المحسوسات يعلمها تعالى على ما هي عليه لأنه خالقها ألا يعلم من خلق وهذا مذهب الأشعري
فإن قيل لم كان أطيب ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح أجيب بأن الصوم أحد أركان الإسلام فهو أعظم من الجهاد أو نظرا إلى أصل كل منهما فأصل الخلوف طاهر بخلاف الدم فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا وبأن الجهاد فرض كفاية والصوم فرض عين وهو أفضل من الكفاية
وروى أحمد مرفوعا دينار تنفقه على أهلك ودينار تنفقه في سبيل الله أفضلهما الذي تنفقه على أهلك ففضل النفقة على الأهل لأنه فرض عين على النفقة في الجهاد لأنه كفاية
ولا يعارضه ما رواه الطيالسي عن أبي قتادة قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الجهاد وفضله على سائر الأعمال المكتوبة لاحتمال أن يكون ذلك قبل وجوب الصيام
وقول إمام الحرمين وطائفة فرض الكفاية أفضل من فرض العين ضعيف فنص الشافعي فرض العين أفضل وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أفضل الأعمال عليك بالصوم
( إنما يذر ) بذال معجمة بترك الصائم ولم يصرح بنسبته إلى الله تعالى للعلم به وعدم الإشكال فيه
ولأحمد عن إسحاق بن الطباع عن مالك يقول الله عز وجل إنما يذر ( شهوته ) أي الجماع ولابن خزيمة زوجته ( وطعامه وشرابه ) فالعطف مغاير وإن جعلت شهوته عامة فهو من الخاص بعد العام وفي فوائد سموية يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع ( من أجلي ) لامتثال شرعي ذلك
قال الحافظ قد يفهم الحصر التنبيه على الجهة التي يستحق بها الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به حتى لو صام لغرض آخر كتخمة لا يحصل له ذلك الفضل لكن المدار في هذه الأشياء وعلى الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودا وعدما ولا يشك أن من لم يعرض له في خاطره شهوة شيء طول نهاره ليس في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه ( فالصيام لي ) بفاء السببية ( وأنا أجزي ) بفتح