فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 2136

لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريب الصوم من الله فالمعنى أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وإلى هذا أشار ابن عبد البر وقيل معناه أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم وهو قريب مما قبله وقيل معناه أن الله يثيبه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكا وقيل معناه أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض

وقال الداودي وجماعة المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب في الجمع والأعياد ومجالس الذكر والخير وصححه النووي وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا

ونقل القاضي حسين أن للطاعات يوم القيامة ريحا يفوح قال فريح الصيام فيها بين العبادات كالمسك وقيل المعنى أطيب عند ملائكة الله وأنهم يستطيبون الخلوف أكثر من كان عندنا بصدد ذلك

وقال ابن بطال أي أزكى عند الله إذ هو تعالى لا يوصف بالشم

وقال ابن المنير لكنه يوصف بأنه عالم بهذا النوع من الإدراك وكذلك بقية المدركات المحسوسات يعلمها تعالى على ما هي عليه لأنه خالقها ألا يعلم من خلق وهذا مذهب الأشعري

فإن قيل لم كان أطيب ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح أجيب بأن الصوم أحد أركان الإسلام فهو أعظم من الجهاد أو نظرا إلى أصل كل منهما فأصل الخلوف طاهر بخلاف الدم فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا وبأن الجهاد فرض كفاية والصوم فرض عين وهو أفضل من الكفاية

وروى أحمد مرفوعا دينار تنفقه على أهلك ودينار تنفقه في سبيل الله أفضلهما الذي تنفقه على أهلك ففضل النفقة على الأهل لأنه فرض عين على النفقة في الجهاد لأنه كفاية

ولا يعارضه ما رواه الطيالسي عن أبي قتادة قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الجهاد وفضله على سائر الأعمال المكتوبة لاحتمال أن يكون ذلك قبل وجوب الصيام

وقول إمام الحرمين وطائفة فرض الكفاية أفضل من فرض العين ضعيف فنص الشافعي فرض العين أفضل وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أفضل الأعمال عليك بالصوم

( إنما يذر ) بذال معجمة بترك الصائم ولم يصرح بنسبته إلى الله تعالى للعلم به وعدم الإشكال فيه

ولأحمد عن إسحاق بن الطباع عن مالك يقول الله عز وجل إنما يذر ( شهوته ) أي الجماع ولابن خزيمة زوجته ( وطعامه وشرابه ) فالعطف مغاير وإن جعلت شهوته عامة فهو من الخاص بعد العام وفي فوائد سموية يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع ( من أجلي ) لامتثال شرعي ذلك

قال الحافظ قد يفهم الحصر التنبيه على الجهة التي يستحق بها الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به حتى لو صام لغرض آخر كتخمة لا يحصل له ذلك الفضل لكن المدار في هذه الأشياء وعلى الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودا وعدما ولا يشك أن من لم يعرض له في خاطره شهوة شيء طول نهاره ليس في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه ( فالصيام لي ) بفاء السببية ( وأنا أجزي ) بفتح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت