فهرس الكتاب
خامسها أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الله تعالى فلما تقرب إليه الصائم بما يوافق صفاته أضافه إليه وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء
سادسها المعنى كذلك لكن بالنسبة إلى الملائكة لأنه من صفاتهم
سابعها أنه خاص لله تعالى وليس للعبد حظ فيه قاله الخطابي ونقله عياض وغيره فإن أراد بالحظ الثناء عليه للعبادة رجع إلى المعنى الأول وبه أفصح ابن الجوزي فقال لا حظ فيه للصائم بخلاف غيره فله فيه حظ لثناء الناس عليه أي وإن أراد عدم انبساط نفسه به أصلا غالبا بخلاف غيره من العبادات فيوجد للنفس فيها حظ كالغسل والوضوء فله فيه حظ التبرد أو التدفي وكالحج فله فيه حظ التنفل والتفرج على الأمكنة وهكذا فلا يرجع إلى المعنى الأول بل يكون غيره وهذا هو الظاهر
ثامنها سبب إضافته إلى الله أنه لم يعبد به غيره بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك واعترض بأن عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات يتعبدون لها بالصيام وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب وإنما يعتقدون أنها فعالة بنفسها وليس هذا الجواب بطائل لأنهم طائفتان إحداهما تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام وبقي منهم من بقي على كفره والأخرى من دخل في الإسلام وبقي على تعظيم الكواكب وهم الذين أشير إليهم
تاسعها أن جميع العبادات يوفى منها مظالم العباد إلا الصيام رواه البيهقي عن ابن عيينة قال إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة وتعقبه القرطبي بأن ظاهر حديث المقاصة أنه يؤخذ كبقية الأعمال لأن فيه المفلس يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه طرحت عليه سيئاتهم ثم طرح في النار
قلت إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك وقد يدل له حديث أحمد عن أبي هريرة رفعه كل العمل كفارة إلا الصوم الصوم لي وأنا أجزي به رواه أبو داود بلفظ قال ربكم كل العمل كفارة إلا الصوم فهذا الاستثناء شاهد لذلك لكن يعارضه حديث حذيفة في الصحيحين فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة ويجاب بحمل الإثبات على كفارة شيء مخصوص والنفي على كفارة شيء آخر فإنه مقيد بفتنة المال وما ذكر معه لكن حمله البخاري على تكفير مطلق الخطيئة ويؤيده ما في مسلم الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ولابن حبان مرفوعا من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله ولمسلم صيام عرفة يكفر سنتين وصيام عاشوراء يكفر سنة وعلى هذا فقوله كل العمل كفارة إلا الصيام أي فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة بشرط خلوصه من الرياء والشوائب
عاشرها أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب واستند قائله إلى حديث واه جدا أورده ابن العربي في المسلسلات ولفظه قال الله الإخلاص سر من سري استودعته