مقرر لا يحتاج إلى نقل وقوعه وأما الفاء فهي مثل قوله تعالى { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } سورة الشعراء الآية 63 أي فضرب فانفلق فالانفلاق معقب للضرب لا للأمر بالضرب وإن لم يصرح به في الآية ويدل على ذلك هنا أنه لم يذكر رد السلام على المسيء صلاته في أكثر الطرق وفي بعضها أنه رد عليه قلت لما لم يصرح بذكر رد السلام احتمل الرد وعدمه فسقط الاستدلال للجانبين انتهى وفيه وقفة
( فقلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك ) وفي رواية يسألك ( كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم ) قال ابن عبد البر فيه أن ابن عباس كان عنده علم غسل رأس المحرم عنه صلى الله عليه وسلم أنبأه أبو أيوب أو غيره لأنه كان يأخذ عن الصحابة ألا ترى أنه قال كيف كان يغسل رأسه ولم يقل هل كان يغسل وقال ابن دقيق العيد هذا يشعر بأن ابن عباس كان عنده علم بأصل الغسل فإن السؤال عن كيفية الشيء إنما يكون بعد العلم بأصله وأن غسل البدن كان عنده متقرر الجواز إذ لم يسأل عنه وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس ويحتمل أن يكون ذلك لأنه موضع الإشكال إذ الشعر عليه وتحريك اليد يخاف منه نتف الشعر وتعقب بأن النزاع بينهما إنما وقع في غسل الرأس
وقال الحافظ لم يقل هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما بل سأل عن الكيفية لاحتمال أنه لما رآه يغتسل وهو محرم فهم من ذلك الجواب ثم أحب أن لا يرجع إلا بفائدة أخرى فسأله عن الكيفية
( قال فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه ) أي خفض الثوب وأزاله عن رأسه ( حتى بدا ) بالتخفيف أي ظهر ( لي رأسه ثم قال لإنسان ) لم يسم ( يصب عليه ) زاد في رواية ابن وضاح الماء ( أصبب فصب على رأسه ثم حرك ) أبو أيوب ( رأسه بيديه ) بالتثنية ( فأقبل بهما وأدبر ) فدل على جواز ذلك ما لم يؤد إلى نتف الشعر والبيان بالفعل وهو أبلغ من القول
( ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ) وفي رواية ابن جريج عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد فأمر أبو أيوب بيديه على رأسه جميعا على جميع رأسه فأقبل بهما وأدبر
وزاد سفيان بن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس لا أماريك أبدا أي لا أجادلك وفيه رجوع المختلفين إلى من يظنان أن عنده علم ما اختلفا فيه وقبول خبر الواحد وأنه كان مشهورا عند الصحابة لأن ابن عباس أرسل ابن حنين ليسأل أبا أيوب ومن ضرورة ذلك قبول خبر أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقبول خبر ابن حنين عن أبي أيوب والرجوع إلى النص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند النص
قال ابن عبد البر وفيه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن أحدهما حجة على الآخر إلا بدليل وأن حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم محله في النقل عنه صلى الله عليه وسلم كما قال أهل النظر