فهرس الكتاب
من طريق الزهري عن سالم عن أبيه يبيت ثلاث ليال وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد والمعنى لا يمضي عليه زمان ولو قل ( إلا ووصيته ) الواو للحال ( عنده مكتوبة ) بخطه أو بغير خطه وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير وأن الثلاثة غاية للتأخير
قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث فلا ينبغي له تجاوز ذلك وفيه أن الأشياء ينبغي أن تضبط بالكتابة لأنها أثبت من الضبط بالحفظ لأنه يخون غالبا واستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة
وخص أحمد ومحمد بن نصر ذلك بالوصية لثبوت ذلك فيها دون غيرها من الأحكام وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به قالوا ومعنى قوله ووصيته عنده مكتوبة أي بشرطها مشهود عليها وتعقب بأن إضمار الإشهاد فيه بعد وأجيب بأنهم احتجوا له بأمر خارج لقوله تعالى { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } سورة المائدة الآية 106 فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية
وقال القرطبي ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة اه
وقد روى ابن القاسم في المجموعة والعتبية إذا وجدت وصية بخط الميت من غير إشهاد وعلم أنها خطه بشهادة عدلين لا يثبت شيء منها لأنه قد يكتب ولا يعزم واحتج بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية وبه قال عطاء والزهري وداود وآخرون واختاره ابن جرير وذهب الجمهور إلى استحبابها حتى نسبه ابن عبد البر إلى الإجماع سوى من شذ وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة كما قال ابن عباس عند البخاري وعن الحديث بأن المراد ما حق الجزم والاحتياط لأنه قد يفجأه الموت وهو على غير وصية ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له وبهذا أجاب الشافعي وقال غيره الحق لغة الشيء الثابت ويطلق شرعا على ما ثبت به الحكم والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا وقد يطلق على المباح أيضا لكن بقلة قاله القرطبي قال فإن اقترن به على أو نحوها كان ظاهرا في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال وعلى هذا التقدير فلا حجة في الحديث للوجوب بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب وهو تفويضه الوصية إلى إرادة الموصي في رواية له شيء يريد أن يوصي فيه فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته
وإما رواية لا يحل فيحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأجاب أبو ثور بأن الوجوب في الآية والحديث يختص بمن كان عليه حق شرعي يخشى ضياعه على صاحبه إن لم يوص به كوديعة ودين لله تعالى أو لآدمي ويدل على ذلك قوله له شيء يريد أن يوصي فيه لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ولو كان مؤجلا فإذا أراد ذلك ساغ له وإن أراد أن يوصي به ساغ له وحاصله يرجع إلى قول الجمهور أن