وفي حديث أبي هريرة عند مسلم قال الله ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين وله في حديث ابن عباس أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر وعلى الأول حمله كثير من العلماء أعلاهم سيدنا ومولانا الإمام الشافعي رضي الله عنه قال في الأم من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه مطر نوء كذا فذلك كفر كما قال لأن النوء وقت والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا ومن قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرا وغيره من الكلام أحب إلي منه يعني حسما للمادة وكانوا يظنون في الجاهلية أن نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على زعمهم وإما بعلامة فأبطله الشرع وجعله كفرا وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بكفر لكن تجوز في إطلاق اسم الكفر عليه وإرادة كفر النعمة لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشكر واسطة فيحمل الكفر فيه على المعنيين ليتناول الأمرين ولا يرد الساكت لأن المعتقد قد يشكر بقلبه أو يكفر فعلى هذا لقوله فأما من قال لما هو أعم من النطق والاعتقاد كما أن الكفر أعم من كفر الشرك وكفر النعمة
قال ابن العربي أدخل مالك هذا الحديث في الاستسقاء لوجهين أحدهما أن العرب كانت تنتظر السقيا في الأنواء فقطع هذه العلاقة بين القلوب والكواكب الثاني أن الناس أصابهم القحط في زمان عمر فقال للعباس كم بقي من أنواء الثريا فقال العباس زعموا أنها تعترض في الأفق سبعا فما مرت حتى نزل المطر فانظر إلى عمر والعباس وقد ذكرا الثريا ونوءها وتوقعا ذلك في وقتها ثم من انتظر المطر من الأنواء على أنها فاعلة له دون الله فهو كافر ومن اعتقد أنها فاعلة بما جعل الله فيها فهو كافر لأنه لا يصح الخلق والأمر إلا لله كما قال { ألا له الخلق والأمر } سورة الأعراف الآية 54 ومن انتظرها وتوكف المطر منها على أنها عادة أجراها الله تعالى فلا شيء عليه لأن الله أجرى العوائد في السحاب والرياح والأمطار لمعان تترتب في الخلقة وجاءت على نسق في العادة انتهى
وذكر نحو تفصيله الباجي وزاد أنه مع كونه لا يكفر في الثالث لا يجوز إطلاق هذا اللفظ بوجه وإن لم يعتقد ما ذكر لورود الشرع بمنعه ولما فيه من إيهام السامع وهذا الحديث رواه البخاري وأبو داود عن القعنبي والبخاري أيضا عن إسماعيل ومسلم في كتاب الإيمان عن يحيى والنسائي من طريق ابن القاسم أربعتهم عن مالك به وتابعه سفيان وسليمان بن بلال كلاهما عن صالح عند البخاري
( مالك أنه بلغه أن رسول الله ) قال ابن عبد البر لا أعرف هذا الحديث بوجه في غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي في الأم عن محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن النبي قال إذا نشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو أمطر لها قال وابن أبي يحيى وإسحاق ضعيفان لا يحتج بهما ( كان يقول إذا أنشأت ) بفتح الهمزة وسكون النون أي ظهرت سحابة ( بحرية ) أي من ناحية