فهرس الكتاب
بالتواضع وفيه أن فعل الثلاثة إنما هو بفضل الله وتوفيقه ( وإذا أدرت ) بتقديم الدال على الراء من الإدارة أوقعت ( في الناس ) ويروى بتقديم الراء على الدال من الإرادة ( فتنة ) بلايا ومحن ( فاقبضني إليك غير مفتون ) الفتنة لغة الاختبار والامتحان وتستعمل عرفا لكشف ما يكره قاله عياض وتطلق على القتل والإحراق والنميمة وغير ذلك وفيه إشارة إلى طلب العافية واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة
( مالك أنه بلغه ) مما صح من طرق شتى عن أبي هريرة وجرير وغيرهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من داع يدعو إلى هدى ) أي إلى ما يهتدى به من العمل الصالح ونكر ليشيع فيتناول الحقير كإماطة الأذى عن الطريق ( إلا كان له مثل أجر من اتبعه ) سواء ابتدعه أو سبق إليه لأن اتباعهم له تولد عن فعله الذي هو من سنن المرسلين ( لا ينقص ذلك ) الإشارة إلى مصدر كان ( من أجورهم شيئا ) دفع به توهم أن أجر الداعي إنما يكون بتنقيص أجر التابع وضمه إلى أجر الداعي فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره يترتب كل منهما على ما هو سبب فعله كالإرشاد إليه والحث عليه قال الطيبي الهدى إما الدلالة الموصلة إلى البغية أو مطلق الإرشاد وهو في الحديث ما يهتدى به من الأعمال وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له هدى يطلق على الكثير والقليل والعظيم والحقير فأعظمه هدى من دعا إلى الله وعمل صالحا وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى ولذا عظم شأن الفقيه الداعي المنذر حتى فضل واحد منهم على ألف عابد ولأن نفعه يعم الأشخاص والأعصار إلى يوم الدين
( وما من داع يدعو إلى ضلالة ) ابتدعها أو سبق بها ( إلا كان عليه مثل أوزارهم ) أي من اتبعه لتولده عن فعله الذي هو من خصال الشيطان والعبد يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على جنايته حال سكره لمنع السبب فلم يعذر السكران فإن الله يعاقب على الأسباب المحرمة وما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وما تولد منها ولذا كان على قابيل القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل لأنه أول من سن القتل كما في الحديث ( لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ) ضمير الجمع فيه وفيما قبله عائد على من باعتبار المعنى قال البيضاوي أفعال العباد وإن كانت غير موجبة ولا مقتضية للثواب ولا للعقاب بذاتها لكنه تعالى أجرى عادته بربط الثواب والعقاب بها ارتباط المسببات بالأسباب وفعل ما له تأثير في صدوره بوجه ولما كانت الجهة التي استوجب بها الجزاء غير الجهة التي استوجب بها المباشر لم ينقص أجره من أجره ولا من وزره شيئا انتهى