قال ويحتمل أنه أحضره له حيا فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظنا منه أنه إنما رده لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل انتهى
وهذا الجمع قريب وفيه إبقاء اللفظ على المتبادر منه الذي ترجم عليه البخاري إذا أهدي للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل مع أنه لم يقل في الحديث حيا فكأنه فهمه من قوله حمارا
وفي التمهيد قال إسماعيل سمعت سليمان بن حرب يتأول الحديث على أنه صيد من أجله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت ولولا ذلك لجاز أكله
قال إسماعيل وإما تأول رواية لحم حمار لاحتياجها للتأويل فأما رواية حمار وحش فلا تحتاج لتأويل لأن المحرم لا يجوز له مسك صيد حيا ولا يذكه وعلى هذا التأويل تتفق الأحاديث
( وهو بالأبواء ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا سمي بذلك لتبوء السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك لقيل الأوباء أو هو مقلوب منه
( أو بودان ) بفتح الواو وشد الدال المهملة فألف فنون موضع قرب الجحفة أو قرية جامعة أقرب إلى الجحفة من الأبواء بينهما ثمانية أميال والشك من الراوي وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودان وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء ( فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي رد الحمار على الصعب واتفقت الرواية كلها على رده إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن عن عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم قال البيهقي إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقيل اللحم
قال الحافظ وفيه نظر فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رده حيا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك وقيل تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله
وقد قال الشافعي إن كان الصعب أهدى حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمارا وحشيا حيا وإن كان أهدى لحما فيحتمل أن يكون علم أنه صيد له
ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده ظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على حال رجوعه صلى الله عليه وسلم من مكة ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك في الجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان
( فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي ) من الكراهة لما حصل له من الكسر برد هديته قال تطييبا لقلبه ( إنا ) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء ( لم نرده ) بفتح الدال رواه المحدثون وقال محققو النحاة إنه غلط والصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما قبلها ولي الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموما هذا في المذكر أما المؤنث مثل ردها فمفتوح الدال مراعاة للألف ذكره عياض وغيره وجوز الكسر وهو ضعيف أضعف من الفتح وإن أوهم ثعلب فصاحة الفتح وقد غلطوه لأنه ذكره