فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 1465

52 -وبالسند إلى المؤلف:

قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بالتصغير الفضل بن دُكَين بمهملة مضمومة وفتح الكاف، واسمه عمرو بن حماد بن زهير القرشي التيمي، مولى أبي طلحة بن عبيد الله الملائي، نسبة إلى بيع المُلاء بضم الميم والمد، سمع الأعمش وغيره من الكبار، وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ، وعنه: أحمد وغيره من الحفاظ.

قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخًا أو خمسين شيخًا، واتفقوا على الثناء عليه، ووصفه بالحفظ والإتقان.

وقال أيضًا: أدركت ثمانمائة شيخ منهم الأعمش فمن دونه، فما رأيت أحدًا يقول: بخلق القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلا رمي بالزندقة، أخذ عنه البخاري بغير واسطة، ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بواسطة، وُلِدَ سنة ثلاثين ومئة، ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين بالكوفة.

قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) ابن أبي زائدة خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون الهمداني الكوفي الوادعي أبو يحيى ثقة، وكان يدلس، توفي سنة سبع، أو ثمان، أو تسع وأربعين ومئة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشعبي.

قال في (( الفتح ) ): ولم أره في (( الصحيحين ) )ولا في غيرهما من رواية زكريا عن الشعبي إلا معنعنًا، ثم وجدته في (( فوائد ابن أبي الهيثم ) )من طريق يزيد بن هارون: عن زكرياء، قال: حدثنا الشعبي، فحصل الأمن من تدليسه.

(قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ) بضم النون وسكون العين المهملة (بْنَ بَشِيرٍ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري، وأمه عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، ولد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، والأكثرون يقولون: ولد هو وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم في العام الثاني من الهجرة.

وقال ابن الزبير: هو أكبر مني، روي له مئة حديث، وأربعة عشر حديثًا، قتل فيما بين دمشق وحمص يوم راهط، سنة خمس وستين.

وقال المفضل بن غسان الغلابي: قتل في سنة ست وستين بسلمية، وهو صحابي ابن صحابي ابن صحابية، روى له الجماعة، وليس في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير غير هذا، فهو من الأفراد، ومنهم النعمان جماعات فوق الثلاثين.

(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) زاد مسلم

ج 1 ص 358

والإسماعيلي من طريق زكريا: (( وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه ) ).

وهذا يرد ما حكاه يحيى بن معين عن أهل المدينة: أنه لا يصح للنعمان سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، نعم: تحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم صبيًا لكن أداه بالغًا.

(يَقُولُ الْحَلاَلُ) هو كالحل ضد الحرام، ويأتي حل بمعنى مقيم كما في قوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد:2] ، لكن فعله: حل يحُل بضم الحاء في المستقبل من باب نصر ينصر، وفعل الأول: من باب ضرب يضرب.

(بَيِّنٌ) أي: ظاهر، وهو ما نص الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه، أو جنسه، ومنه أيضًا: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5] فيه منع على ما اشتهر من أن الأصل في الأشياء الإباحة (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) وهو ما نص، أو أجمع على تحريمه بعينه، أو جنسه، أو على أن فيه حدًا، أو تعزيرًا، أو وعيدًا، ثم التحريم إما لمفسدة أو مضرة خفية كالزنا ومذكي المجوس، وإما لمفسدة أو مضرة واضحة كالسم والخمر.

قال الشهاب ابن حجر المكي في (( شرح الأربعين النووية ) ): وبيانه: أن المنتفع به إما معدن أو نبات أو حيوان، وتوابعه، فالمعادن بأسرها حلال إلا الضار على أنه لا يختص بها، بل لو ضر العسل بعض المحرورين حرم عليه أكله، والنبات كذلك، إلا ما أزال الحياة كالسم، أو العقل كالخمر، وسائر المسكرات، والمخدرات كالحشيشة، والأفيون، والبنج. وأما الحيوان: فكلما ورد النص على أكله فهو حلال كالخيل؛ فقد صحت الأحاديث بأكلها، وتحريم الحمر الأهلية، وأكل النجس حرام كاستعماله إلا لنحو اضطرار أو تداوٍ، أو لجوازه بصرف سائر النجاسات إلا الخمر. انتهى ملخصًا.

(وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ) بوزن مفعَّلات بتشديد العين المفتوحة، وهي رواية مسلم؛ أي: شبهت بغيرها مما لم يتبين حكمها على التعيين، وفي رواية الأصيلي: بوزن مفتعلات بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة، وهي رواية ابن ماجه، وهو لفظ ابن عون، والمعنى: أنها اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين، ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ: (( وبينهما متشابهات ) )، كذا في (( الفتح ) ).

وقال العيني: جاء فيه خمس روايات:

الأولى: مُشْتَبِهات بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة على وزن مفتعلات، وهي رواية الأصيلي، وكذا في رواية ابن ماجه.

الثانية: مُتَشَبَّهات بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق وفتح الشين وتشديد الباء الموحدة المكسورة على وزن متفعلات، وهي رواية الطبري.

الثالثة: مُشَبَّهات بضم الميم وفتح الشين وفتح الباء الموحدة المشددة على وزن مفعلات، وهي رواية السمرقندي، ورواية مسلم.

الرابعة: مثلها غير أن باءها مكسورة على وزن مفعلات على صيغة الفاعل.

الخامسة: مُشْبِهات بضم الميم وسكون الشين وكسر الباء الموحدة المخففة، والكل: من اشتبه الأمر: إذا لم يتضح غير أن معنى الأولى المشكلات من الأمور؛ لما فيه من شبه الطرفين المتخالفين، فينبه مرة هذا ومرة هذا، وكذلك معنى الثانية غير أن فيه معنى التكلف، ومعنى الثالثة: أنها مشبهات بغيرها مما لم يتيقن فيه حكمها على التعيين.

ويقال: معناها: مشبهات بالحلال، ومعنى الرابعة: أنها مشبهات أنفسها بالحلال، ومعنى الخامسة: مثل الرابعة غير أن الأول من باب التفعيل، والثاني: من باب الإفعال.

وقال القاضي في الثلاثة الأول: معناها: كلها بمعنى مشكلات، ويشتبه يفتعل؛ أي: يشكل ومنه: {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة:70] . انتهى.

(لاَ يَعْلَمُهَا) ولمسلم: (( لا يعلمهن ) )بنون الإناث (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي: لا يعلم حكمها.

قال في (( الفتح ) ): وجاء واضحًا في رواية الترمذي فلفظه: (( لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام ) ).

ومفهوم قوله: كثير أن معرفة حكمها يمكن، لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لم يظهر لهم ترجيح لأحد الدليلين. انتهى.

ومعنى الحديث كما قال النووي: أن الأشياء

ج 1 ص 359

ثلاثة أقسام:

حلال واضح لا يخفى حله كالخبز والفواكه والكلام والمشي وغير ذلك.

وحرام بين كالخمر والميتة والدم والزنا والكذب وأشباه ذلك، وأما المشتبهات، فمعناه: أنها ليست بواضحة الحل والحرمة، ولهذا لا يعرفها كثير من الناس وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب وغيره فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد، فألحقها بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا أو حرامًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال، فيكون الورع تركه، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء، وهو مشتبه فهل يؤخذ بالحل أو بالحرمة أم يتوقف؟ فيه ثلاثة مذاهب، كذا في الكرماني.

وقال الشهاب ابن حجر المكي في (( شرحه على الأربعين النووية ) ): ثم الحصر في الثلاثة صحيح؛ لأنه إن صح نص أو أجمع على الفعل فالحلال أو على المنع جازمًا، فالحرام أو سكت عنه، أو تعارض فيه نصان، ولم يعلم المتأخر منهما. فالمشتبه

ولكونه أشكل الثلاثة مست الحاجة إلى مزيد بيانه وإيضاحه، فنقول: علم مما مر أن الحلال المطلق ما انتفى عن ذاته الصفات المحرمة، وعن أسبابه ما يجر إلى خلل فيه، ومنه صيد احتمل أنه صيد، وانفلت من صائده، ومعار احتمل موت العير، وانتقاله إلى ورثته، وليس هذا مشتبهًا فلا ورع في العمل بذلك الاحتمال؛ لأنه هوس؛ لعدم اعتضاده بشيء مع أن الأصل عدمه، وإنما المشتبه الذي يتجاذبه شيئان متعارضان يؤديان إلى وقوع التردد في حله وحرمته كما مر.

وأن الحرام ما في ذاته صفة محرمة كالإسكار أو في سببه ما يجر إليه خللًا كالبيع الفاسد، ومنه: ما تحققت حرمته، واحتمل حله كمغصوب احتمل إباحة مالكه، فهو حرام صرف، وليس من المشتبه؛ لما قررناه في نظيره، إذ الذي فيهما احتمال محض لا سبب له في الخارج إلا مجرد التجويز العقلي، وهو لا عبرة به، فليسا من المشكوك فيه.

وأما المشتبه بالمعنى الذي قررناه آنفًا فهو أقسام أربعة:

الأول: الشك في المحلل والمحرم، فإن تعادلا استصحب الأصل السابق، وإن كان أحدهما أقوى؛ لصدوره عن دلالة معتبرة في العين، فالحكم له، فلو رمى صيدًا، فجرحه فوقع في ماء، أو نار، أو على طرف سطح، أو جبل فسقط منه، أو على شجرة، فصدمه غصنها، أو أرسل كلبه، وشاركه فيه كلب آخر وشك في قاتله منهما حرم؛ لأن الأصل التحريم، فلا يزول بالشك في المبيح ولو جرح طير الماء، وهو على وجهه ومات، أو جرحه وهو خارج الماء فوقع فيه، أو وهو في مائه والرامي في سفينة في الماء حل أو في البر، فلا إن لم ينته بالجرح إلى حركة مذبوح.

الثاني: الشك في طرو محرم على الحل المتيقن، فالأصل الحل فلو قال: إن كان ذا الطائر أغرابًا فامرأتي طالق، وقال آخر: إن لم يكن هو فامرأتي طالق، والتبس أمره لم يقض بالتحريم على واحد منهما على الأصح؛ لأن كلًا منهما على يقين الحل بالنظر إلى نفسه إذ لم يعارضه بالنظر إليه وحده شيء، وإنما عارضه يقين التحريم بالنظر إلى ضم غيره إليه، ولا مسوغ لهذا الضم؛ لأن المكلف إنما يكلف بما يخصه هو على انفراده.

ومن ثم لو قالهما واحد في زوجتيه كأن علق طلاق إحداهما بكونه غرابًا، والأخرى: بكونه غيره لزمه اجتنابهما؛ لأن إحداهما: طلقت منه يقينًا، وأصل الحل فيهما عارضه يقين التحريم في إحداهما بالنظر إليه وحده، فارتفع بذلك الأصل.

الثالث: أن يكون الأصل التحريم، ثم يطرأ ما يقتضي الحل بظن غالب، فإن اعتبر سبب الظن شرعًا حل، وألغي النظر إلى ذلك الأصل، وإلا فلا فلو أرسل كلبًا على صيد، ثم غاب عنه بعد جرحه حل إن كان الجرح مذففًا سواء كان فيه أثر غيره أم لا، وكذا إن كان الجرح غير مذفف، ولم يكن فيه أثر غيره، بخلاف ما لو غاب عنه قبل جرحه، ثم وجده مجروحًا ميتًا فإنه يحرم، وإن تضمخ الكلب بدمه، ولو وجدت شاة مذبوحة ولم يدر من ذبحها، فإن كان أهل البلد مسلمين فقط، أو كانوا أغلب حلت وإن كان نحو المجوس أكثر أو استووا حرم؛ لأن الأصل التحريم حينئذٍ، ولم يعارضه أقوى منه.

الرابع: أن يعلم الحل، ويغلب على الظن طرو محرم، فإن لم تستند غلبته لعلامة تتعلق بعينه لم يعتبر، ومن ثم حكمنا بطهارة ثياب الخمارين والجزارين والكفرة المتدينين باستعمال النجاسة، وإن استندت لعلامة متعلقة بعينه اعتبرت، وألغي أصل الحل؛ لأنها أقوى منه، فلو رأى ظبية تبول في ماء كثير، فوجده عقب البول متغيرا، وشك هل تغيره به أو بمكث مثلًا؟.

وأمكن تغيره به فهو نجس،

ج 1 ص 360

بخلاف ما لو وجده متغيرًا بعد مدة، أو وجده عقبه غير متغير، ثم ظهر التغير، أو لم يمكن التغير به؛ لقلته فإنه طاهر عملًا بالأصل الذي لم يعارضه حينئذ ما هو أقوى منه، ثم ذكر ضابطًا في تعارض الأصلين، أو أصل وظاهر ولم يرتضه.

فقال بعدما نقله: والصواب في الضابط ما حرره ابن الصلاح فقال: إذا تعارض أصلان أو أصل، وظاهر وجب النظر في الترجيح كما في تعارض الدليلين، فإن تردد في الراجح فهي مسائل القولين، وإن ترجح دليل الظاهر حكم به بلا خلاف، وإن ترجح دليل الأصل حكم به بلا خلاف. انتهى.

ثم فرع فروعًا تبتني على هذا الضابط، فلتراجع بمريد الاطلاع.

وقال السيوطي في (( الأشباه والنظائر الفقهية ) ): الأصل في الأشياء؛ أي: بعد ورود الشرع الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم هذا مذهبنا.

وعند أبي حنيفة: الأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه.

ويعضد الأول: ما رواه البزار والطبراني عن أبي الدرداء بسند حسن من قوله صلى الله عليه وسلم (( ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا ) ).

وما رواه الطبراني عن أبي ثعلبة: (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير بيان فلا تبحثوا عنها ) ).

وفي لفظ: (( وسكت عن كثير من غير نسيان رحمة لكم فاقبلوها ولا تكلفوها ) ).

وما رواه الترمذي وابن ماجه عن سلمان: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الجبن والسمن والغراء، فقال: (( الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ) ).

وللحديث طرق أخرى وفسر أحمد وإسحاق وكثيرون المشتبه: بما اختلف في حله كالخيل والنبيذ وجلود السباع.

وفسره أحمد مرة أخرى باختلاط الحلال والحرام من غير تمييز.

وحكمه حينئذ: أنه يخرج قدر الحرام، ويأكل الباقي عند كثير من العلماء سواء قل الحرام أو كثر. انتهى.

لكن قوله: أن الأصل عند أبي حنيفة في الأشياء التحريم ... إلخ خلاف المعتمد من مذهبه، والمعتمد من مذهبه أن الأصل فيها التوقف.

(فَمَنِ اتَّقَى) أي: حذر (الْمُشَبَّهَاتِ) بضم الميم وفتح الموحدة المشددة، والاختلاف في لفظها كالتي قبلها.

قال في (( الفتح ) ): لكن عند مسلم والإسماعيلي الشُّبُهات بالضم جمع شبهة.

(اسْتَبْرَأَ) بالهمز وقد يخفف، ولأبي ذر: أي: طلب البراءة من الإثم أو الذم (لِدِيِنِهِ) المتعلق بالخالق (وَعِرْضِهِ) المتعلق بالخلق؛ أي: حصل البراءة لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن فيه، ولابن عساكر والأصيلي: .

والعِرض بكسر العين المهملة: هو النفس والحسب وهو نفي العرض؛ أي: برئ من العيب، كذا في (( المصباح ) ).

وفيه أيضًا: قال ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان في الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شرف ورجل حسيب كريم بنفسه.

قال: وأما المجد والشرف فلا يوصف به الشخص إلا إذا كان فيه وفي آبائه.

وقال الأزهري: الحَسَب: الشرف الثابت له ولآبائه.

قال: وقوله عليه السلام: (( تنكح المرأة لحسبها ) )أحوجَ أهل العلم إلى معرفة الحسب؛ لأنه مما يعتبر في مهر المثل، فالحسب الفعال له ولآبائه مأخوذ من الحساب وهو عد المناقب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا حسب كل واحد مناقبه ومناقب آبائه، ومما يشهد لقول ابن السكيت قول الشاعر:

~ومن كان ذا نسب كريم ولم يكن له حسب كان اللئيم المذمما

فجعل الحسب فعال الشخص مثل الشجاعة وحسن الخلق والجود. انتهى.

(وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) بضم الشين المعجمة والموحدة.

قال في (( الفتح ) ): وفيه أيضًا ما تقدم من اختلاف الرواة.

وفي القسطلاني: وللأصيلي: بالميم وسكون الشين ومثناة فوقية قبل الموحدة، ولابن عساكر: بالميم والموحدة المشددة

ج 1 ص 361

المفتوحة.

(كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ) بمثناة تحتية مضمومة فواو فألف فقاف؛ أي: يقع فيه، والمفاعلة تجيء بمعنى أصل الفعل كـ: (( قاتلهم الله ) ).

قال في (( الفتح ) ): هكذا في جميع نسخ البخاري بحذف جواب الشرط إن أعربت من شرطية، وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال: (( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى ) ).

ويمكن إعراب من في سياق البخاري: موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي وقع في الشبهات مثل راع يرعى، والأول أولى؛ لثبوت المحذوف في (( صحيح مسلم ) )وغيره من طريق زكريا التي أخرجه منها المؤلف، وعلى هذا فقوله: (( كراع يرعى ) )جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل للتنبيه بالشاهد على الغائب. انتهى.

أقول: ويجوز أن يكون كراع جواب الشرط على تقدير كون من شرطية على تقدير مبتدأ مقترن بالفاء بناء على عدم اختصاص حذف الفاء بالضرورة؛ أي: فهو كراع كقوله: بني ثعل من ينكع العنز ظالم؛ أي: فهو ظالم وقوله يرعى صفة راع على التقديرين، ويوشك صفة ثانية أو استئناف، وثبت: (( وقع في الحرام ) )في نسخة الكرماني.

قال في (( الفتح ) ): واختلف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع.

وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء:

أحدها: تعارض الأدلة.

ثانيها: اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى.

ثالثها: المراد بها قسم المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك.

رابعها: المراد بها المباح، ولا يمكن أن يحمل على متساوي الطرفين من كل وجه، بل على ما يكون من قسم خلاف الأولى بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج.

ونقل ابن المنير في (( مناقب ) )شيخه الفناري عنه: أنه كان يقول: المكروه عقبة بين العبد، والحرام والمباح: عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه وهو منزع حسن.

ويؤيده: رواية ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها فيها من الزيادة: (( اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه ) ).

فالمعنى: أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه كالإكثار من الطيبات مثلًا، فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة مشاهد بالعيان.

والذي يظهر: رجحان الوجه الأول على ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا يختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرر قبل، ومن دونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى: أن المستكثر من المكروه يصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه، أو يكون ذلك لسرٍّ فيه، وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور الورع، فيقع في الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه.

ووقع عند المصنف في البيوع من رواية أبي فروة عن الشعبي في هذا الحديث: (( فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أو شك أن يواقع ما استبان ) )وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه. انتهى.

وقال الخطابي: وذلك لئلا يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويجسر على شبهة، ثم على شبهة أغلظ منها، ثم أخرى، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا.

قال الكرماني: وهو نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر؛ أي: تسوق إليه.

وفي القسطلاني: قال إبراهيم بن أدهم: الورع

ج 1 ص 362

ترك كل شبهة، وأعلى الورع ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابن أدهم أجرته لشكه في وفاء عمله، وطويٍ عن جوع شديد.

فما لم تعلم حله يقينًا اتركه كتركه صلى الله عليه وسلم تمرة خشية أن تكون من تمر الصدقة، ولما في البخاري: (( الأورع أسرع على الصراط يوم القيامة ) ).

وقالت أخت بشر الحافي لأحمد بن حنبل: إنا نغزل في سطوحنا، فتمر بنا مشاعل الظاهرية، ويقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها؟ فقال: من أنت عافاك الله، قالت: أخت بشر الحافي، فبكى أحمد وقال: من بيتكم يخرج الزهد والورع الصادق لا يغزل على شعاعها.

ومكث مالك بن دينار بالبصرة أربعين سنة ولم يأكل من تمرها حتى مات.

وأقامت السيدة بديعة الإيجية من أهل عصرنا هذا بمكة أكثر من ثلاثين سنة لم تأكل من اللحوم والثمار المجلوبة من بجيلة؛ لما قيل: أنهم لا يورثون البنات، وامتنع أبوها نور الدين من تناول تمر المدينة؛ لما ذكر له: أنهم لا يزكون. انتهى.

وقال بعض الصوفية: شربت من ركوة جندي شربة، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا. انتهى.

فمن ترخص ندم، ومن فواضل الفضائل حرم، ومن أخذ بالغرائم صان دينه، ومن دسائس النفس والشيطان سلم.

وفي (( الفتح ) ): استدل ابن المنير بهذا الحديث على جواز بقاء المجمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الاستدلال بذلك نظر، إلا إن أراد أنه مجمل في حق بعض دون بعض، أو أراد الرد على منكري القياس، فيحتمل ما قال. انتهى.

وفيه أيضًا تنبيه: ادعى بعضهم: أن التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث، حكى ذلك أبو عمرو الداني، ولم أقف على دليله إلا ما وقع عند ابن الجارود والإسماعيلي من رواية ابن عون عن الشعبي، قال ابن عون في آخر الحديث: لا أدري المثل من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول الشعبي.

قلت: وتردُّد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجًا؛ لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذا سقوط المثل من بعض الرواة كأبي فروة عن الشعبي لا يقدح في من أثبته؛ لأنهم حفاظ.

ولعل هذا هو السر في حذف البخاري قوله: وقع في الحرام؛ ليصير ما قبل المثل مرتبطًا، فيسلم من دعوى الإدراج، ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حبان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعًا في رؤية ابن عباس وعمار بن ياسر أيضًا. انتهى.

(أَلاَ) بتخفيف اللام حرف استفتاح للتنبيه على صحة ما بعدها، وفي إعادتها وتكريرها دليل على عظم شأن مدخولها (وَإِنَّ) الواو عاطفة على مقدر؛ أي: الأمر كما تقدم وإن ... إلخ.

قال الكرماني: فإن قلت: علامَ عطف الواو ما بعدها ولم ذكر الواو بعد ألا الأول والثالث، ولم يذكر بعد الثاني كما في بعض النسخ، إذ في بعضها هكذا: لكل ملك؟.

قلت: عطفت على مقدر يعلم مما تقدم؛ أي: ألا إن الأمر كما تقدم، وإن لكل ملك حمى، فجاء بالواو إشعارًا بأن بين الجملتين مناسبة، إذ هو في الحقيقة تشبيه للحرام بالحمى، وللمشتبه بما حواله، فلا بد فيه من مشاركة بينهما، وترك الواو في الثاني إشعارًا بكمال الانقطاع بين الجملتين، وبالبون البعيد بين حمى الملوك وحمى الله تعالى الذي هو الملك الحق لا ملكَ حقيقةً إلَّا له تعالى، أو إشعارًا بكمال الاتحاد، إذ لما كان لكل ملك حمى كان لله تعالى حمى؛ لأنه ملك الملوك، والملك الحقيقي، فذكره مع ذكر فائدة زائدة فيه، وهي أن حمى الله محارمه، وكذا بين الثالثة والأولى مناسبة، نظرًا إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنه عماد الأمر وملاكه، وبه قوامه ونظامه وعليه تبتنى فروعه، وبه تتم أصوله، ويحتمل أن تكون المناسبة بينهما بالضدية؛ أي: كما أن حفظ الأصل بحفظ الفرع كذلك حفظ الفرع بحفظ الأصل؛ أي: لا بد من رعاية الأصل والفرع حتى تتم البراءة الكاملة بتعاضدهما وتعاونهما. انتهى.

(لِكُلِّ مَلِكٍ) بكسر اللام؛ أي: من ملوك العرب (حِمًى) بكسر الحاء

ج 1 ص 363

وفتح الميم المخففة، وهو موضع حظره الإمام لنفسه ومنع الغير عنه.

وقال الجوهري: حميته: إذا دفعت عنه، وهذا شيء حمى: أي: محظور لا يقرب.

وقال في (( الفتح ) ): الحمى: المحمي، أطلق المصدر على اسم المفعول.

وتعقبه العيني فقال: هذا ليس بمصدر، بل هو اسم عين ومصدر حمى يحمي حماية. انتهى.

وأقول: ثبوت حماية في مصدره لا ينفي أن يكون له مصدر آخر؛ لأن مصدر الثلاثي سماعي عند سيبويه.

قال في (( القاموس ) ): حمى الشيء يحميه حميًا وحِماية بالكسر ومحمية منعه، وكلا حمى كرضى محمي انتهى.

فقوله: كلا حمى ... إلخ كالصريح في أنه مصدر بمعنى اسم المفعول، فإنه لو لم يكن كذلك؛ لما صح جعله صفة لكلا كما يظهر بالتأمل، وقد حمى صلى الله عليه وسلم حرم المدينة عن أن يقطع شجره أو يصاد صيده، وحمى عمر رضي الله عنه لإبل الصدقة أرضًا ترعى فيها.

(أَلاَ إِنَّ) وفي رواية: بواو العطف (حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ) وللمستملي: إسقاطها (مَحَارِمُهُ) أي: المعاصي التي حرمها، وهي الجناية على النفس والعرض، والمال وغيرها كالزنا، والقتل، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر، والكذب، والغيبة، والنميمة، والربا، وأكل المال بالباطل، وأشباه ذلك، وتطلق المحارم على المنهيات مطابقة، وعلى ترك المأمورات التزاما والإطلاق الأول أشهر، وفي الكلام استعارة تمثيلية بتشبيه حال من يأتي الشبهات ويرتكب المعاصي بحال راع يرعى حول حمى ملك، فإنه على خطر دخول بعض بهمه حمى الملك، واستحقاقه الانتقام منه؛ لتفريطه بالدنوِّ من الحمى، بخلاف من بعد عن الحمى، فإنه أمن من ذلك عادة، فكذلك من أكثر من الشبهات، وتعرض لمقدماتها وقع في الحرام، فاستحق العقاب بذلك فمن احتاط لنفسه لم يقاربه بأن لا يتعلق بشيء يقربه من المعصية، ولا يدخل في شيء من الشبهات.

وفي هذا السياق منه صلى الله عليه وسلم إقامة برهان عظيم على اجتناب الشبهات، إذ حاصله: أن الله عز وجل ملك وكل ملك له حمى يخشى من قربانه لإيقاعه في أليم العذاب من قرب منه، فالله تعالى له حمى كذلك يخشى منه، وهذا قطعي المقدمتين والنتيجة، فلا مساغ للتشكيك فيه، وفي ذلك أيضًا ضرب المثل بالمحسوس؛ ليكون أشد تصورًا للنفس، فيحملها على أن تتأدب مع الله تعالى كما تتأدب الرعايا مع ملوكهم، ثم حث صلى الله عليه وسلم وأكد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد، وبين أنه مع صغر حجمه سائر البدن تابع له صلاحًا وفسادًا فقال:

(أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ) بفتحتين البدن كما في (( الصحاح ) ).

وفي (( القاموس ) ): الجسد محركة جسم الإنسان والجن والملائكة، والبدن: ما سوى الرأس من الجسد والشَّوَى أو الكل أو العضو أو خاص بأعضاء الجزور. انتهى.

(مُضْغَةً) أي: قطعة من اللحم قدر ما يمضغ، سميت بذلك؛ لأنها تشبه المضغة من الطعام التي تمضغ في الفم لصغرها؛ لكنها وإن صغرت في الحجم فهي عظيمة في القدر ومن ثم كانت بحيث (إِذَا صَلَحَتْ) بفتح لامه وضمها والفتح أشهر، كذا أطلقه كثيرون، وظاهره: أنه لا فرق بين أن يكون سجية، وألا يكون، وقيد جمع الضم بما إذا صار سجية، وكذا يقال في فسد.

وصلاحها: بصلاح المعنى القائم بها الذي هو مناط التكليف من الفهم الذي ركبه الله تعالى فيها.

(صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ) قال الكرماني: فإن قلت: مدخول إذا لا بد، وأن يكون متحقق الوقوع، وهاهنا الصلاح غير متحقق؛ لاحتمال الفساد، وبالعكس.

قلت: هي هاهنا بمعنى أن بقرينة ذكر المقابل، وقد وقع بينهما المبادلة. انتهى.

وسمي القلب قلبًا؛ لتقلبه في الأمور كما قيل:

~وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب

وقال آخر:

~ما سمي القلب إلا من تقلبه فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويل

وقال ابن الملقن: سمي بذلك؛ لتقلبه وسرعة الخواطر فيه، وترددها عليه، وأصله: المصدر، ثم نقل إلى هذا العضو، والتزمت العرب التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله. انتهى.

وفي العيني: وقال القرطبي: ثم إن العرب لما نقلته لهذا العضو التزمت فيه التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله، وبذا يظهر معنى قول بعضهم؛ ليحذر العاقل من سرعة انقلاب قلبه، فإنه ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم. انتهى.

وقيل:

ج 1 ص 364

إنما سمي القلب قلبًا؛ لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه.

وفي الحديث: (( قلب القرآن يس ) )، وقيل: لأنه وضع في الجسد مقلوبًا، وليس المراد به الشكل الصنوبري، بل ما به الإدراك المعبر عنه بالنفس تارة، وبالروح أخرى، وتارة بالعقل من تسمية الشيء باسم محله؛ كما قال الغزالي.

وإنما كان مناطًا لصلاح الجسد وفساده؛ لأنه مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية، فإن صدرت عنه إرادة صالحة تحرك البدن حركة صالحة، وإن صدر عنه إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة، فهو كملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك، وتفسد بفساده أو كعين والبدن كمزرعة، فإن عذب ماؤها عذب الزرع، وإن ملح ماؤها ملح أو كأرض والأعضاء كنبات {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [الأعراف:58] .

وشاهد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم شق قلبه الكريم أربع مرات عند انتقالاته في الأطوار التي كل طور منها يحتاج إلى تطهير؛ ليستعد لتلقي ما يلقى إليه كما بين في كتب السير.

والحاصل: أن القلب محل الاعتقادات والعلوم والأفعال الاختيارية؛ لكونه محلًا لهذه الخصوصية الإلهية التي تدرك بها الكليات والجزئيات، ويفرق بها بين الواجب والجائز والمستحيل؛ امتاز به الإنسان عن بقية أنواع الحيوان؛ لأنها وإن وجد لها شكله، وقام بها ما تدرك به مصالحها ومنافعها، وتميز بين مفاسدها ومضارها، إلا أن هذا إدراك جزئي طبيعي، وشتان ما بينه وبين الإدراك الكلي العلمي الاختياري.

ولهذا المعنى امتاز أيضًا عن بقية الأعضاء بكونه أشرفها، ومن ثم كانت مسخرة ومطيعة له، فما استقر فيه ظهر عليها؛ وعملت بمقتضاه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فكان صلاحها بصلاحه وفسادها بفساده.

وبهذا ظهر أن الحواس معه كالحجاب مع الملك؛ لأنها تدرك المعلومات أولًا، ثم تؤديها إليه ليحكم عليها، ويتصرف فيها فهي آلات وخدم له، وهي كما مر معه كملك مع رعيته إن صلح صلحوا وإن فسد فسدوا، ثم يعود صلاحهم وفسادهم إليه بزيادة المصالح والمضار الراجعة منها إليه، ومن لم يكن بين تبعيتها له وتأثره بأعمالها تناف لما بينه وبينها من تمام الملازمة وشدة الارتباط، وقد يسمى العقل قلبًا مبالغة كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:37] ؛ أي: عقل، فلقيامه به وعدم انفكاكه عنه صار كأنه هو، ومن ثم أضاف تعالى إليه العقل كما أضاف السماع إلى الآذان والإبصار إلى العين فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] .

قال الشهاب ابن حجر المكي: وبهذا يرد على من قال: أنه في الدماغ، ونسب لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعليه الأطباء واحتجاجهم بأنه إذا فسدَ فسد العقل، غير مفيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ مع أنه ليس فيه، ولا امتناع في ذلك.

قال الماوردي: لاسيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة وبين الدماغ اشتراكًا. انتهى.

وقال النووي: لا دلالة في الحديث لواحد من المذهبين. انتهى.

وإذا علمت أن صلاح الجسد وفساده بصلاح القلب وفساده، فمن المهم معرفة ما به صلاحه؛ ليطلب، وما به فساده ليجتنب، فالذي به صلاحه

علومٌ: وهي العلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه وتصديق رسله فيما جاؤوا به من العلم بِأحكامه ومراده منها، والعلم بمساعي القلوب من خواطرها وهمومها ومحمود أوصافها ومذمومها.

وأعمالٌ: وهي تحليه بمحمود تلك الأوصاف، وتخليه عن مذمومها ومنازلته للمقامات، وترقيه عن مفضول المنازلات.

وأحوالٌ: وهي مراقبة الله تعالى، وشهوده بحسب تهيئته واستعداده كما مر في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (( أن تعبد الله كأنك تراه ) )، وتفصيل ذلك في كتب العارفين (( كالإحياء ) (( قوت القلوب ) )فاطلبه، فإنه مهم.

قيل: ومما يصلحه تدبر القرآن، وخلو الجوف، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين، ورأس ذلك الأعظم تحري أكل الحلال، واجتناب الشبهات، فإنها تورثه قسوة وظلمة، وتجره إلى الحرام كما مر.

وقد قال صلى الله عليه وسلم في من غذي بالحرام يقول: (( يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك ) )، وقال: (( كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ) )إلى غير ذلك من الأحاديث.

وهذا الحديث قد أجمع العلماء على عظم موقعه وكثرة فوائده، إذ منها الحث على فعل الحلال واجتناب الحرام والإمساك عن الشبهات والاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي ما يسيء الظن، أو يوقع

ج 1 ص 365

في محذور والأخذ بالورع، وأنه لا ورع في ترك المباح، وسد الذرائع، وأكثرت منه المالكية، وتعظيم القلب، والسعي فيما يصلحه، واجتناب ما يفسده، وأنه محل العقل، وأن العقوبة من جنس الجناية، وضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية، وأن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلا به.

وهذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام المنظومة في قول الشافعي أو غيره:

~عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البريه

~اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيه

بل قال ابن العربي: أنه يمكن أن ينتزع منه سائر الأحكام. انتهى.

وتفصيل ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وعلى أنه ينبغي أن يحافظ على صلاح ذلك، وخلوصه من الشبه؛ ليحمي دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهة.

وأوضح ذلك: بضرب ذلك المثل العظيم، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب الذي بصلاحه تصلح سائر أموره الظاهرة والباطنة، وبفساده يفسد جميعها.

قال الشهاب ابن حجر المكي: ومن ثم قيل: جعل طائفة هذا الحديث ثلث الإسلام أو ربعه استرواح، وإلا فلو أمعنوا النظر فيه من أوله إلى آخره؛ لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها؛ لأنه بين فيه الحلال وقسيميه مع ما يتعلق بها مما أشرنا إليه في (( شرحها ) )، وصلاح القلب وفساده، وأعمال الجوارح التابعة له، والورع الذي هو أساس الخيرات ومنبع سائر الكمالات.

ومن ثم قال الحسن: أدركنا قومًا كانوا يتركون سبعين بابًا من الحلال خشية الوقوع في باب من الحرام.

وهذه الجملة التي اشتمل عليها مستلزمة لمعرفة تفاصيل الشريعة كلها أصولها وفروعها. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت