فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1465

والحكمة معرفة الأشياء على ما هي عليه فهي مرادفة للعلم.

فالعطف عليه من باب العطف التفسيري، إلا أن يفسر العلم بالمعنى الأعم من اليقين المتناول للظن أيضًا أو تفسر الحكمة بما يتناول سداد العمل أيضًا.

ووجه المناسبة بين البابين من حيث: أن في الباب الأول الفهم في العلم، وفي هذا الباب الاغتباط في العلم وكلما زاد فهم الرجل في العلم زادت غبطته فيه.

(وَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) رواه ابن عبد البر بسند صحيح من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه: (( وتُسَوَّدوا ) )بتاء مثناة فوق مضمومة وسين مفتوحة وواو مشددة يعني تعظموا.

قال أبو عبيد: أي: تعلموه صغارًا قبل أن تصيروا رؤساء منظورًا إليكم، فإن لم تتعلموا قبل ذلك استحييتم أن تتعلموا بعد الكبر فبقيتم جهالًا تأخذونه من الأصاغر فيزري ذلك بكم.

قال الخطيب: وهو شبيه بحديث ابن المبارك: (( لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم فقد هلكوا ) )، كذا في الزركشي.

وقال في (( الفتح ) ): زاد الكشميهني في روايته: (( قال أبو عبد الله؛ أي: البخاري وبعد أن تسودوا ) )، ليبين أن لا مفهوم له خشية أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه، وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببًا للمنع؛ لأن الرئيس يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين.

ولهذا قال مالك: من عيب القضاء أن القاضي إذا عزل لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه.

وقال الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير وفسره شمر اللغوي بالتزوج فإنه إذا تزوج صار سيد أهله ولاسيما إن ولد له.

ج 1 ص 443

والمراد بقوله: (( تسودوا ) )السيادة وهي أعم من التزويج ولا وجه لمن خصصه بذلك؛ لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة لأصحابها عن الاشتغال بالعلم.

وجوز الكرماني أن يكون من السواد في اللحية فيكون أمرًا للشباب بالتفقه قبل أن تسود لحاهم أو أمر للكهول قبل أن يتحول السواد إلى الشيب، ولا يخفى تكلفه. انتهى.

وقال ابن المنير: مطابقة قول عمر للترجمة: أنه جعل السيادة من ثمرات العلم وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط صاحبه فإنه سبب لسيادته.

قال في (( الفتح ) ): كذا قال، والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرئاسة وإن كانت مما يغبط به صاحبها في العادة، لكن الحديث دل على أن الغبطة لا تكون إلا بأحد أمرين: العلم أو الجود ولا يكون الجود محمودًا إلا إذا كان بعلم فكأنه قال: تعلموا العلم قبل حصول الرئاسة لتغتبطوا إذا غبطتم بحق.

ويقول أيضًا: إذا تعجلتم الرئاسة التي من عادتها أن تمنع صاحبها من طلب العلم فاتركوا تلك العادة وتعلموا العلم لتحصل لكم الغبطة الحقيقية. انتهى.

قال العيني: وفي كتاب أبي عمر قال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفضل الناس أفضلهم عملًا إذا فقهوا في دينهم ) ).

وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى، قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤيسهم من روح الله ولم يؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه ألا لا خير في عبادة ليس فيها فقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر ) ).

قال ابن عمر: لم يأت هذا الحديث مرفوعًا إلا من هذا الوجه وأكثرهم يوقفونه على علي. انتهى.

وقال الكرماني: قول عمر هذا ليس من تمام الترجمة إذ لم يذكر بعده شيء يكون هذا متعلقًا به إلا أن يقال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلا قبل كون الغابط قاضيًا، ويؤول حينئذ، وقال عمر بمعنى المصدر؛ أي: قول عمر. انتهى.

وتبعه البرماوي وتعقبه العيني فقال: كيف يؤول الماضي بالمصدر وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلا بوجود أن المصدرية. انتهى.

أقول: وفيه نظر؛ لأن الفعل سبك بالمصدر في أماكن بغير حرف مصدري من ذلك قولهم تسمع بالمعيدي، وقوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} [يس:10] ؛ أي: إنذارك وعدمه سواء وغير ذلك على أن الحصر في قوله لا يكون إلا بأن المصدرية فاسد؛ لأنه يطرد تأويله بالمصدر، وبعد ما وكي ولو والذي فصواب العبارة على مراده إلا بوجود حرف مصدري.

وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم هذه الجملة على غير رواية الكشميهني للاحتراس ودفع إيهام أنه بعد السيادة والكبر لا يطلب التفقه عملًا بمفهوم المخالفة من قول عمر: (( تفقهوا قبل أن تسودوا ) )فدفع ذلك بقوله: (( وقد تعلم ... الخ ) ).

وأما على رواية الكشميهني وهي: (( وبعد أن تسودوا ) )فهي للتأكيد والظاهر: أن المراد بقوله: (( أصحاب رسول الله بعضهم أو أكثرهم ممن أسلم في كبر سنه ) )لئلا يرد نحو علي رضي الله عنه ممن أسلم صغيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت