(30) (بابٌ) بالتنوين، ويجوز: تركه على قصد الإضافة إلى الجملة بعده (الصَّلاَةُ) الشرعية (مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبة من شعبه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله: أن من جملة المذكور في الباب الأول الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، وأفضل الطاعات البدنية التي تقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس، والأوقات الثلاثة: هي الغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة.
فوقت صلاة الصبح: في الغدوة، والعصران: في الروحة، والعشاءان: في جزء من الدلجة على قول من يقول: أن الدلجة سير الليل كله، ولما كان العبد مأمورًا بالاستعانة بهذه الأوقات، وكانت هي أوقات الصلوات الخمس أيضًا وهي من الإيمان؛ ناسب ذكرها عقب هذه الأوقات المذكورة في الباب السابق.
(وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: ، ولك فيه الرفع والجر على تقدير التنوين وعدمه ( {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ) بالخطاب التفاتًا من الغيبة في قوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ} [البقرة:143] ، قصد التعميم الحكم للأمة الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المخاطبين تغليبًا لهم على غيرهم (يَعْنِي صَلاَتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ) أي: الحرام؛ لأنه المراد عند الإطلاق.
قال في (( المصابيح ) ): كذا وقع في الأصول.
قال السفاقسي: يريد بيت المقدس.
قلت: لفظه عند تدفعه، والصواب كما قطع به بعضهم: إلى بيت المقدس. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج المصنف منه حديث الباب؛ فروى الطيالسي والنسائي من حديث شريك وغيره عن أبي إسحاق
ج 1 ص 300
عن البراء في الحديث المذكور: (( فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ) )؛ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا؛ فقول المصنف عند البيت مشكل مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت، وقد قيل: إن فيه تصحيفًا، والصواب، يعني: صلاتكم لغير البيت.
وعندي: أنه لا تصحيف فيه، بل هو صواب، ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة، وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة فقال ابن عباس وغيره: (( كان يصلي إلى بيت المقدس ) )لكنه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون: (( أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ) )، وقال آخرون: (( كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس ) ).
وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، فكأن البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية؛ لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت، وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع، فأحرى ألا تضيع إذا بعدوا عنه، فتقدير الكلام: يعني: صلاتكم التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس. انتهى.
وما ذكره المؤلف في معنى الآية هو أحد الأقوال فيها ففي (( تفسير القاضي البيضاوي ) ): إيمانكم؛ أي: ثباتكم على الإيمان، وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها لما روي: (( أنه عليه الصلاة والسلام لما وجه إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت ) ). انتهى.
وفي (( الفتح ) ): وحكى الزهري خلافًا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس؟.
قلت: وعلى الأول؛ فكان يجعل الميزاب خلفه، وعلى الثاني؛ كان يصلي بين الركنين اليمانيين، وزعم ناس: أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ، وحمل ابن عبد البر هذا على القول الثاني.
ويؤيده: حمله على ظاهره إمامة جبريل عليه السلام ففي بعض طرقه: أن ذلك كان عند باب البيت. انتهى.