فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 1465

(36)(باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ)مصدر مضاف إلى فاعله وقوله:(مِنْ أَنْ يَحْبَطَ)مبنيًا للفاعل من باب علم متعلق به، ومصدره: الحبط والحبوط(عَمَلُهُ)فاعل(( يحبط ))أي: يبطل ثواب عمله أو ينقص.

وقوله: (وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ) جملة وقعت حالًا من الضمير المضاف إليه على حد قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [يونس:4] لا من (( المؤمن ) )إذ لا معنى لخوفه وهو لا يشعر.

ومعنى (( لا يشعر ) )لا يعلم يقال: شعرت بالفتح أشعر به بالضم شعرًا وشعرة وشعورًا علمت به.

وفي قوله: (( وهو لا يشعر ) )إشارة إلى قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:47] ؛ أي: أعمال كانوا يحتسبونها بدلت سيئات.

قال في (( الفتح ) ): هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة، وإن كان أكثر ما مضى من الأبواب قد تضمن الرد عليهم، لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شيء منها بخلاف هذا.

وقال ابن المنير: انتقل البخاري من الرد على القدرية إلى الرد على المرجئة، وهما ضدان: القدرية: يكفر بالذنب، والمرجئة: تهدر الذنب بالكلية، وما ساقه في الترجمة صريح في الرد عليهم. انتهى.

والمُرجِئَة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز: تشديدها بلا همز نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط ولم يشترط جمهورهم النطق وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلًا ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول.

ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب التي قبلها: من جهة: أن اتباع الجنائز مظنة؛ لأن يقصد بها مراعاة أهلها أو مجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أن الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابًا؛ أي: خالصًا

ج 1 ص 329

فعقبه بما يشير إلى أنه قد يعرض للمرء ما يعكر على قصده الخالص فيحرم به الثواب الموعود به وهو لا يشعر فقوله: (( أن يحبط عمله ) )أي: يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص فيه، وبهذا التقدير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية الذين يقولون: إن السيئات تبطل الحسنات.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في الرد عليهم: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان:

أحدهما: إبطال الشيء وإذهابه جملة كإحباط الإيمان الكفر وإحباط الكفر الإيمان وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي.

ثانيهما: إحباط الموازنة إذ أجعلتا السيئات في كفة والحسنات في كفة فمن رجحت حسناته نجا ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، إما أن يغفر له، وإما أن يعذب، فالتوقيف إبطالٌ ما؛ لأن توقف المنفعة في وقت الحاجة إبطال لها، والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار؛ ففي كل منهما إبطال نسبي أطلق عليه اسم الإحباط مجازًا وليس هو إحباطًا حقيقة؛ لأنه إذا خرج من النار، وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الذين سووا بين الإحباطين، وحكموا على العاصي بحكم الكافر وهم معظم القدرية. انتهى.

وقال النووي: المراد بالحبط: نقصان الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر، فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر. انتهى.

وتعقبه الكرماني فقال: هذا مما ينازع فيه، إذ الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر، وبالفعل الموجب للكفر وإن لم يعلم أنه كفر. انتهى.

وأجاب البرماوي: بأن النووي أراد بالفعل الأعم من القول، فيشمل كلمة الكفر وغيرها، وأما إذا لم يعلم أن ذلك الفعل كفر فلا يكفر به. انتهى.

وأقول: لا يخفى أن هذا الجواب غير دافع لاعتراض الكرماني، إذ كون المراد بالفعل ما هو أعم من القول لا يجديه نفعًا، وكون الإنسان لا يكفر بالفعل الموجب للكفر إلا إذا علم أنه مكفر غير مسلم، فإن من ألقى مصحفًا في قاذورة أو سب نبيًا أو استخف بشيء من أمور الدين يكفر، وإن لم يعلم أن ذلك مكفر، ولاسيما إذا كان ممن لا يعذر بجهله بأن كان في ديار المسلمين وبين أظهرهم، فليتأمل.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريك (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب بكسر الراء وبموحدتين بينهما ألف أبو أسماء الكوفي، قيل: قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي، فوقع الرسول بإبراهيم التيمي فأخذه وحبسه فقيل له: ليس إياك أراد! فقال: أكره أن أدفع عن نفسي وأكون سببًا لحبس رجل مسلم بريء الساحة، فصبر في السجن حتى مات.

قال يحيى: هو ثقة مرجئ، ومن غرائبه ما رواه عنه الأعمش أنه قال: إني لأمكث ثلاثين يومًا لا آكل.

وقال الأعمش: قال لي إبراهيم التيمي: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب، روى له الجماعة، ومات سنة اثنتين وتسعين.

(مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ) من الخشية وهي الخوف وربما تصحف بحسبت (أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) قال في (( الفتح ) ): يروى بفتح الذال يعني خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي: فيقول لو كنت صادقًا ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يعظ الناس، ويروى بكسر الذال وهي رواية الأكثر.

ومعناه: أنه مع وعظه للناس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وقصر في العمل، فقال: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:3] ، فخشي أن يكون مكذبًا؛ أي: مشابهًا للمكذبين. انتهى.

أي: لعدم جريه على مقتضى عمله.

وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة:44] الآية أنها ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ، بنفسه سوء صنيعه وخبث سريرته وأن

ج 1 ص 330

فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل فإن الجامع بينهما تأبِّي شكيمته.

والمراد بها: حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل ليتقوم فيقوِّم غيره لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وهذا التعليق وصله المصنف في (( تاريخه ) )عن أبي نعيم وأحمد بن حنبل في (( الزهد ) )عن أبي مهدي كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بصيغة التصغير وهو عبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن، وتصغير الأب، واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي المكي التيمي الأحول، كان قاضيًا لابن الزبير اتفق على جلالته، سمع العبادلة الأربعة، وعائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، وأبا هريرة وغيرهم، وأدرك علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، ولم يسمع منهما، مات سنة سبع عشرة ومائة، روى له الجماعة، وهذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في (( تاريخه ) )لكنه أبهم العدد، وأخرجه محمد بن نصر المروزي مطولًا في كتاب (( الإيمان ) )، وعينه أبو زرعة الدمشقي في (( تاريخه ) )من وجه آخر مختصرًا كما هنا، قاله في (( الفتح ) ).

(أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي نسخة: (صلى الله عليه وسلم) منهم من تقدم ذكرهم وعقبة بن الحارث النوفلي والمسور بن مخرمة (كُلُّهُمْ يَخَافُ) أي: يخشى (النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ) .

قال في (( الفتح ) ): وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع، وذلك أن المؤمن قد يعرض له في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، بل ذلك منهم على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى.

وقال ابن بطال: إنما خافوا؛ لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغيير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت، وروي عن عائشة رضي الله عنها: (( أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60] ، فقال: هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويَفْرَقُونَ أن لا يقبل منهم ) ).

(مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) أي: لا يجزم أحد منهم بعدم عروض النفاق له كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل.

قال في (( الفتح ) ): وفي هذا إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان خلافًا للمرجئة القائلين بأن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة. انتهى.

قال العيني: ليس المعنى هكذا وإنما المعنى أنهم كانوا على حذر وخوف من أن يخالط إيمانهم النفاق ومع هذا لم يكن منهم أحد يقول أن إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام؛ لأن جبريل معصوم لا يطرأ عليه الخوف من النفاق بخلاف هؤلاء فإنهم غير معصومين.

فإن قلت: روي عن علي مرفوعًا: (( من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله كان مؤمنًا كإيمان جبريل ) ).

قلت: ذكره أبو سعيد النقاش في (( الموضوعات ) ). انتهى.

أقول: وبفرض ثبوته، فالمراد التشبيه في أصل الإيمان وهو لا يقتضي المساواة، وقد نقل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: أقول إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول مثل إيمان جبريل. انتهى.

وما ذاك إلا لأن (( الكاف ) )لا تقتضي المساواة بين المشبَّه والمشبَّه به، و (( مثل ) )يتبادر منها المساواة، فليتأمل.

(وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ) أي: البصري (مَا خَافَهُ) أي: النفاق وهو نائب فاعل يذكر على إرادة اللفظ، وفي نسخة: ، وفي رواية: (إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَلاَ أَمِنَهُ) على زنة علمه (إِلاَّ مُنَافِقٌ) .

قال في (( الفتح ) ): هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب (( صفة المنافق ) )له من طرق متعددة بألفاظ مختلفة، وقد يشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضًا لما علم من الخلاف في ذلك فهنا كذلك، وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه.

فقال النووي: قوله: (( ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق ) )يعني: الله تعالى، قال الله عز وجل: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46] ، وقال تعالى:

ج 1 ص 331

{فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99] ، وكذا شرحه ابن التين وجماعة من المتأخرين، وقرره الكرماني هكذا نقل (( ما خافه ) )أي: ما خاف من الله تعالى فحذف الجار وأوصل الفعل إليه.

قلت: هذا الكلام وإن كان صحيحًا لكنه خلاف مراد المصنف ومن نقل عنه، والذي أوقعهم في هذا هو الاختصار، وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه إنما أراد النفاق فلنذكره:

قال جعفر الفريابي: حدثنا قتيبة: حدثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو: (( ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن ) )، وكان يقول: (( من لم يخف النفاق فهو منافق ) ).

وقال أحمد بن حنبل في كتاب (( الإيمان ) ): حدثنا روح بن عبادة: حدثنا هشام: سمعت الحسن يقول: (( والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، ولا أمنه إلا منافق ) ). انتهى.

فهذا موافق لأثر ابن أبي مليكة الذي قبله وهو قوله: (( كلهم يخاف النفاق على نفسه ) )والخوف من الله تعالى وإن كان مطلوبًا محمودًا، لكن سياق الباب في أمر آخر. انتهى.

وعن الحسن أيضًا: (( والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه ) ).

وعنه أيضًا أنه قال في جواب من سأله عنه فقال: (( تخاف النفاق؟ فقال: وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب ) ).

(وَمَا يُحْذَرُ) يضم الياء وفتح الذال مخففة ومشددة وما مصدرية وهي مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالعطف على خوف؛ أي: وباب التحذير أو لحذر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَقَاتُل [1] وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ) .

قال في (( الفتح ) ): وفصل بين الترجمتين بالآثار التي ذكرها لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان: فالأول منهما: متعلق بالثانية، والثاني: متعلق بالأولى على ما سنوضحه، ففيه لفٌّ ونشرٌ غير مرتب على حد قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:106] الآية.

ومراده أيضًا الرد على المرجئة حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها يرد عليهم؛ لأنه تعالى مدح من استغفر لذنبه ولم يصر عليه، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك. انتهى.

وقال الكرماني: ولفظ: وما يحذر ... إلخ رد على المرجئة حيث قالوا: لا حذر من المعاصي عند حصول الإيمان فعقد الباب لأمرين لبيان الخوف من عروض الكفر بما هو كالإجماع السكوتي مما نقل عن التابعين الثلاثة، ولبيان الخوف من الإصرار على المعاصي بالآية والأخير رد على المرجئة.

وقال النووي: مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم: إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي من قال: لا إله إلا الله ولا يحبط شيئًا من أعماله بشيء من الذنوب، وأن إيمان المطيع والعاصي سواء فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين، وما نقلوه عن الصحابة، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله، وبهذا المعنى استدل أبو وائل لما سأله عن المرجئة أمصيبون أم مخطئون في قولهم: سباب المسلم وقتاله وغيرهما لا يضر إيمانهم.

فروى الحديث وأراد الإنكار عليهم وإبطال قولهم المخالف لصريح الحديث، وأما قول ابن أبي مليكة فمعناه: أنهم خافوا أن يكونوا من جملة من داهن ونافق. انتهى.

(لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) في سورة آل عمران ( {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ) أي: لم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (( ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ) ).

قال في (( الفتح ) ): حديث حسن.

وهذا دليل للترجمة الثانية فإن مفهوم الآية ذم من لم يستغفروا لذنوبهم ولم يتوبوا وأصروا عليها وهم عالمون.

وقوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ} جملة وقعت حالًا من أحد الضمائر المتقدمة فإن أول الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ} [آل عمران:135] .

وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من الواو في {يُصِرُّواْ} فهي من الحال المتداخلة.

قال الواحدي: قال ابن عباس: نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع تمرًا، فضمها إلى نفسه وقبلها، ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك، فنزلت.

وكأن المؤلف أشار إلى ما أخرجه أحمد عن ابن عمر مرفوعًا قال: (( ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ) )أي: يعلمون أن من تاب تابَ الله عليه ثم لا يستغفرون.

قال في (( الفتح ) ): إسناده حسن.

وقال في (( الكشاف ) ): {وَلَمْ يُصِرُّواْ} ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما أصر من

ج 1 ص 332

استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة )) وروي: (( لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ) ).

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من فاعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معًا، والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها؛ لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح.

وفي البغوي: قال ابن عباس والحسن والكلبي: وهم يعلمون أنها معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار.

وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله تعالى يملك مغفرة الذنب.

وقال الحسن بن الفضل: وهم يعلمون أن لهم ربًا يغفر الذنوب.

وقيل: وهم يعلمون أن الله تعالى لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت، وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم.

قال في (( الفتح ) ): ومما يدخل تحت الترجمة قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5] ، وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110] ، وقوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] .

وهذه الآية أدل على المراد مما قبلها فمن أصر على تعاطي المعصية خِيفَ عليه أن يفضي به إلى نفاق الكفر. انتهى.

[1] ملاحظة: يوجد رواية: (( على النفاق ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت