قال الكرماني: والحديث الذي في الباب إنما يدل على الخروج في البحر والسفر فيه مع كونه خطرًا، ولا يخفى أن السفر في البر بالطريق أولى لقلة الخطر. انتهى.
وفيه نظر، إذ لا اختصاص للحديث بسفر البحر، بل الثابت عند المصنف وغيره، أنه إنما ذهب في البر وركب في البحر في السفينة مع الخضر بعد اجتماعهما.
قال في (( الفتح ) ): وسيأتي بلفظ فخرجا يمشيان كما تقدم الكلام عليه في قول المصنف في الترجمة السابقة: باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر وأول الشراح قوله: في البحر، فليتأمل.
قال في (( الفتح ) ): لم يذكر فيه شيئًا مرفوعًا صريحًا وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رفعه: (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة ) )ولم يخرجه المصنف للاختلاف فيه. انتهى.
أقول: الظاهر أنه لم يجعل ذهاب موسى إلى الخضر عليهما السلام صريحًا في الخروج في طلب العلم؛ لأنه مستفاد من الحديث استنباطًا من قوله: إذا فقدت الحوت، فارجع فإنك ستلقاه فإن الرجوع يلزم منه تقدم الخروج، وذلك الخروج لم يكن إلا في طلب العلم.
(وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو الخزرجي الأنصاري المدني يكنى بأبي عبد الله أو بأبي عبد الرحمن أو بأبي محمد ومر في (( بدء الوحي ) ) (مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بضم الهمزة مصغر أنس بن سعد الجُهَني بضم الجيم وفتح الهاء حليف الأنصار شهد العقبة مع السبعين من الأنصار وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد.
وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده سرية وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر توفي بالشام في زمان معاوية سنة أربع وخمسين روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون حديثًا روى له مسلم حديثًا واحدًا في ليلة القدر ولم يرو عنه البخاري، كذا في الكرماني.
(فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ) (( في ) )هنا بمعنى باء السببية كقوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} [النور:14] ، وفي الحديث: (( أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها ) ).
قال في (( الفتح ) ): وهو حديث أخرجه المصنف في الأدب المفرد وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (( بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرًا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له جابر على الباب فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم فخرج فاعتنقني فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله الناس يوم القيامة عراة ) )فذكر الحديث. انتهى.
وتمامه كما في العيني: (( غرلًا بهمًا فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأهل الجنة أن تدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه حتى اللطمة قال: وكيف وإنما يأتي عراة غرلًا؟ قال: بالحسنات والسيئات ) ). انتهى.
وساق له في (( الفتح ) )طريقين أخريين ثم قال: وادعى بعض المتأخرين أن هذا ينقض القاعدة المشهورة أن البخاري حيث يعلق بصيغة الجزم يكون صحيحًا وحيث يعلق بصيغة التمريض يكون فيه علة؛ لأنه علقه
ج 1 ص 459
بالجزم هنا.
ثم أخرج طرفًا من متنه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض فقال: ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال: (( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت ) )الحديث.
وهذه الدعوى مردودة والقاعدة بحمد الله غير منتقضة، ونظر البخاري أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به؛ لأن الإسناد حسن، وقد اعتضد وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به؛ لأن الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت ومن هنا يظهر شفوف علمه ودقة نظره وحسن تصرفه.
ووهم ابن بطال فزعم: أن الحديث الذي رحل فيه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر على المسلم وهو انتقال من حديث إلى حديث، فإن الراحل في حديث الستر هو أبو أيوب الأنصاري رحل فيه إلى عقبة بن عامر الجهني أخرجه أحمد بسند منقطع.
وأخرج الطبراني من حديث سلمة بن مخلد: (( أتاني جابر فقال: حديث بلغني أنك ترويه في السنن ) )فذكره وقد وقع ذلك لغير من ذكر وتتبع ذلك يكثر.
وسيأتي قول الشعبي في مسألة إن كان الرجل ليرحل فيما دونها إلى المدينة، وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: (( إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد ) )وسيأتي نحو ذلك عن غيره. انتهى. وحديث الستر الذي أشار إليه.
قال العيني: أخرجه الحاكم: (( حدثنا علي بن حماد: حدثنا بشر بن موسى: حدثنا الحميدي: حدثنا سفيان: عن ابن جريج، عن أبي سعيد الأعمى، عن عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر فسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه منه غيره وغير عقبة، فلما قدم أبو أيوب منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر فأخبره فعجل عليه فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟
قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن قال عقبة: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ستر مؤمنًا في الدنيا على خَرَبة ستره الله يوم القيامة، فقال له أبو أيوب: صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة )) . انتهى.
والخَرَبة بفتح الخاء المعجمة والراء: أصلها العيب وما يستحيا منه، كذا في (( النهاية ) ).
وفي (( القاموس ) ): هي العيب والعورة والزلة.