قال في (( الفتح ) ): أي: تميز لها دم العرق من دم الحيض فسمي زمن الاستحاضة طهرًا؛ لأنه كذلك بالنسبة إلى زمن الحيض، ويحتمل أن يريد انقطاع الدم، والأول أوفق بالسياق انتهى.
وتعقبه العيني فقال: فيه خدش من وجوه:
الأول: أن كلامه يدل على أن دمها مستمر، ولكن لها أن تميز بين دم العرق ودم الحيض، والترجمة ليست كذلك فإنه نص فيها على الطهر، وحقيقته الانقطاع عن الحيض.
والثاني: أنه يقول: فسمى الاستحاضة طهرًا وهذا مجاز ولا داعي له ولا فائدة.
والثالث: أنه يقول: أن الأول أوفق للسياق وهذا عكس ما قصده البخاري، بل الأوفق للسياق أنه الانقطاع كما ذكرناه انتهى.
وقد ساق اعتراض العيني في (( الانتقاض ) )ولم يجب عنه، فكأنه بيض له ولم يعد إليه، وجواب (( إذا ) )الشرطية محذوف للقرينة تقديره: فلتغتسل وتصلي.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ) كان؛ أي: الطهر (سَاعَةً) وفي بعض النسخ: (( ولو ساعة من نهار ) ).
قال الداودي: معناه: إذا رأت الطهر ساعة ثم عاودها دم فإنها تغتسل وتصلي.
قال العيني: ومن هذا يعلم أن أقل الطهر ساعة عند ابن عباس، وعند جمهور الفقهاء أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وهو قول أصحابنا، وبه قال الثوري والشافعي.
وقال ابن المنذر: ذكر أبو ثور: أن ذلك لا يختلفون فيه فيما نعلم، وفي (( المهذب ) ): لا أعرف فيه خلافًا وهذا التعليق.
قال في (( الفتح ) ): وصله ابن أبي شيبة والدارمي من طريق أنس بن سيرين عن ابن عباس: (( أنه سأله عن المستحاضة فقال: أما ما رأت من الدم الحبراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي ) ).
وهذا موافق للاحتمال المذكور أولًا؛ لأن الدم الحبراني هو دم الحيض انتهى.
(وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا) قال في (( الفتح ) ): هذا أثر آخر عن ابن عباس أيضًا وصله عبد الرزاق وغيره من طريق عكرمة عنه قال: (( المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها ) ).
ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة: (( قال: كانت أم حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها ) ). وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها.
(إِذَا صَلَّتْ) قال في (( الفتح ) ): شرط محذوف الجزاء، أو جزاؤه قدم.
وقال العيني: ليس له تعلق بقوله: (( ويأتيها زوجها ) )بل هي جملة مستقلة ابتدائية جزائية، وفي جوابها وجهان:
الأول: على قول الكوفيين: جوابها ما تقدمها وهو قوله: (( تغتسل وتصلي ) ).
الوجه الثاني: على قول البصريين: أن الجواب محذوف تقديره: (( إذا صلت تغتسل ) ).
وقوله: (الصَّلاَةُ أَعْظَمُ) مبتدأ وخبر والمفضل عليه محذوف؛ أي: الصلاة أعظم من حل الجماع للزوج.
وقال العيني: كأن هذه الجملة جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: كيف يأتي المستحاضة زوجها؟ فقال: الصلاة أعظم من الوطئ، فإذا جاز لها الصلاة التي هي أعظم فالوطئ بطريق الأولى.
وقال في (( الفتح ) ): والظاهر أن هذا بحث من البخاري أراد به بيان الملازمة؛ أي: إذا جازت الصلاة فجواز الوطئ أولى؛ لأن أمر الصلاة أعظم من أمر الجماع.
ولهذا عقبه بحديث عائشة المختصر من قصة فاطمة بنت أبي حبيش المصرح بأمر المستحاضة بالصلاة انتهى.
وفي هذا الأثر وحديث عائشة دليل: على جواز وطئ المستحاضة، وبه قال الجمهور ومنعه جماعة كالنخعي، وابن سيرين، والزهري مستدلين بما روي عن عائشة أنها قالت: (( المستحاضة لا يأتيها زوجها ) )، وبأن الرخصة إنما سمعت في الصلاة.