فهرس الكتاب

الصفحة 1136 من 1465

(68) (باب) : بالتنوين وعدمه (الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ) : أي: يقتدي به (وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ) : قال في (( الفتح ) ): قال ابن بطال: هذا موافق لقول مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤم بعضها بعضًا خلافًا للجمهور. قلت: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط كما فهمه بعضهم بل الخلاف معنوي؛ لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها ولو كان الإمام رفع قبل ذلك؛ لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى.

وهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعضًا ما يتحمله الإمام. انتهى.

زاد ابن الملقن: وسائر الفقهاء يراعون رفع الإمام وحده وهو أحوط. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وآثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق، والثاني وصله ابن أبي شيبة، ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة؛ لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله: ويأتم الناس بأبي بكر؛ أي: أنه في مقام المبلغ،

ج 2 ص 514

ثم ثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق، فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الرواية الأولى يسمع الناس التكبير لا ينفي كونهم يأتمون به؛ لأن إسماعه لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه، فليس فيه نفي لغيره.

ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داود المذكور ووكيع جميعًا عن الأعمش بهذا الإسناد قال فيه: والناس يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يسمعهم. انتهى.

وقال العيني: والذي يظهر من هذه الترجمة أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك لأن الشعبي يرى أن الجماعة يتحملون عن بعضهم بعضًا ما يتحمله الإمام والدليل عليه أنه قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة إنه أدركها ولو كان الإمام رفع قبل ذلك لأن بعضهم لبعض أئمة إلى آخر ما تقدم عن صاحب (( الفتح ) ).

وقال الإمام أحمد: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا لأبي بكر وأبو بكر إمامًا للناس فكانت تلك الصلاة بإمامين واختلفت الرواية عن أحمد في الصلاة بإمامين هل هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أو مثله الإمام الأعظم أو هو حكم عام بعده مطلقًا ثلاث روايات عنه. قاله ابن رجب.

والذي يظهر من كلامه أن مذهب البخاري كمذهب الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام وأن أبا بكر مبلغ وليس كمذهب الشعبي في إثبات إمامين ولا ينافي ذلك قوله في الترجمة: ويأتم الناس بالمأموم؛ لأن المراد من الائتمام به اتباعهم لانتقالات النبي صلى الله عليه وسلم بواسطته لعدم سماعهم صوت النبي صلى الله عليه وسلم لضعفه وعدم مشاهدتهم له لكونه صلى جالسًا لاسيما وقد نقل الإجماع على عدم جواز الاقتداء بالمقتدي وكأنهم لم يعتدوا بخلاف الشعبي.

(وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) : ببناء يذكر للمفعول ونائب فاعله قوله: (ائْتَمُّوا بِي) : مرادًا به لفظه.

وظاهر صنيع القسطلاني يقتضي أن نائب الفاعل أنه قال: محذوفًا وفيه نظر لأن نائب الفاعل كالفاعل لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها.

نعم ثبت في بعض الروايات لفظ أنه قال فعلى هذه الرواية هو نائب الفاعل وهذا الأثر طرف من حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: (( تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) ).

قال البرماوي: قيل لم يجزم البخاري بهذا التعليق لأنه اختصره وفيه نظر؛ لأن الاختصار لا يلحق وهنًا بالحديث يقتضي تضعيف تضعيفه وقيل مرضه لأن أبا نضلة ليس على شرطه.

قال في (( الفتح ) ): وهذا عندي ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة ألا يصلح عنده للاحتجاج به.

والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا. بخلاف صيغة الجزم فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا الذي ذكره يخرم قاعدته لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به وإلا فلا فائدة في ذلك الشرط، وأبو نضرة الذي روى الحديث المذكور عن أبي سعيد ليس على شرطه وإنما يصلح عنده للاستشهاد ولهذا استشهد به عن جابر في كتاب الشروط على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. انتهى.

وأقول: الظاهر أنه لا تنخرم بذلك قاعدة البخاري؛ لأن الشروط التي اشترطها في كتابه إنما هي لما التزم فيه من أعلى مراتب الصحيح وليس ذلك شرطًا في الاحتجاج، بل يحتج بما دونه وبالحسن أيضًا ألا تراه ألف في غير الصحيح أيضًا كـ (( الأدب المفرد ) )فإذا كان لا يحتج بما فيه فما الفائدة في تأليفه فتأمل.

قيل: وظاهر هذا التعليق يدل لمذهب الشعبي وكأنه حمل الأمر في قوله: ائتموا بي على أنه لأهل الصف الأول ويكون معنى: (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) : أي: يقتدي بكم من خلفكم كل صف بالذي أمامه، وحمله الجمهور كما تقدم على معنى أنهم يستدلون بأفعالكم على أفعالي فالاقتداء لغوي لا أنهم يقتدون بهم حقيقة ففيه كما قال

ج 2 ص 515

النووي وغيره دليل على جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف قدامه يراه متابعًا للإمام.

وقيل: إن الحديث ليس واردًا في الإمامة بل معناه تعلموا مني أحكام الشريعة فالخطاب لجميع أصحابه وليتعلم منكم التابعون من بعدكم وليتعلم منهم من بعدهم وهلم جرًا إلى انقراض الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت