فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 1465

(7) (بابٌ) بالتنوين (تَقْضِي الْحَائِضُ) أي: تؤدي؛ لأن القضاء جاء بمعنى: الأداء، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة:200] ، وربما أن المؤلف عبر بذلك موافقة للآية، والمراد بالحائض المتلبسة بالحيض، وكان مقتضى الظاهر الحائضة، لكن حذف التاء لعدم الإلباس.

(الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا) المتعلقة بالحج أو بالعمرة فروضًا كانت أو واجبات أو نوافل كالوقوف بعرفة والرمي والتلبية (إِلاَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) لأنه يحرم على الحائض بالإجماع، وفي كون الطهارة شرطًا له خلاف مشهور؛ أي: تؤدي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت مطلقًا فرضًا كان أو نفلًا.

قال في (( الفتح ) ): قيل: مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار أن الحيض وما في معناه من الجنابة

ج 2 ص 19

لا ينافي جميع العبادات بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وغيرها، فمناسك الحج من جملة ما لا ينافيها إلا الطواف فقط.

وفي كون هذا مراده نظر؛ لأن كون مناسك الحج كذلك حاصل بالنص فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعًا لابن بطال وغيره أن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك فكذلك الجنب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه ومنع القراءة إن كان لكونه ذكر الله فلا فرق بينه وبين ما ذكر وإن كان تعبدًا فيحتاج إلى دليل خاص.

ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره، لكن أكثرها قابل للتأويل كما سنشير إليه ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز كالطبري، وابن المنذر، وداود بعموم حديث: (( كان يذكر الله على كل أحيانه ) ). لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة، انتهى.

وقال ابن بطال: هذا الباب كله مبني على مذهب من أجاز للحائض والجنب تلاوة القرآن، سواء كان البخاري متمذهبًا به أو حاكيًا عن غيره.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي: النخعي (لاَ بَأْسَ) أي: لا حرج (أَنْ تَقْرَأَ) أي: الحائض المدلول عليها بالسياق (الآيَةَ) قال في (( الفتح ) ): وأورد المصنف أثر إبراهيم وهو النخعي إشعارًا بأن منع الحائض من القراءة ليس مجمعًا عليه، وقد وصله الدارمي وغيره بلفظ: أربعة لا يقرؤون القرآن الجنب والحائض وعند الخلاء وفي الحمام إلا الآية ونحوها للجنب والحائض.

وروي عن مالك نحو قول إبراهيم، وروي عنه الجواز مطلقًا، وروي عنه الجواز للحائض دون الجنب، وعلته طول زمن الحيض الذي قد يؤدي إلى النسيان، وقد قيل: إنه قول الشافعي في القديم.

(وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا) الظرف الأول يتعلق بـ (( بأسًا ) )، والثاني بـ (( القراءة ) (( بأسًا ) )مفعول (( ير ) )، وقد وصله ابن المنذر بلفظ: أن ابن عباس كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنب فقيل له في ذلك فقال: ما في جوفي أكثر منه.

(وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ) بالقرآن وغيره (عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي: أزمانه فدخل فيها حين الجنابة وغيره، وهذا حديث أخرجه مسلم في (( صحيحه ) )عن عائشة، ويروى على كل أحواله، وأراد البخاري بإيراد هذا الحديث وبما ذكره في هذا الباب الاستدلال على جواز قراءة الجنب والحائض القرآن؛ لأن الذكر يعم القرآن وغيره، وبه قال الطبري، وابن المنذر، وداود.

وقال ابن الملقن: قال الطبري في (( تهذيبه ) ): الصواب أن ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من ذكر الله عز وجل على كل أحيانه، وأنه كان يقرأ ما لم يكن جنبًا أن قراءته طاهرًا اختيار منه لأفضل الحالتين، والحالة الأخرى أراد تعليم الأمة وأن ذلك جائز لهم غير محظور عليهم الذكر وقراءة القرآن.

وقال غيره: هو أصل في جواز الذكر بالتسبيح والتهليل، وشبههما من الإذكار وكأنه إجماع إنما الخلاف في القراءة، فيكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال، انتهى.

(وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) بفتح العين وكسر الطاء المهملتين وتشديد التحتية، واسمها نسيبة مصغرًا، وقيل: مكبرًا كما في (( الإصابة ) )وتعليقها وصله المصنف في العيدين بلفظ: (كُنَّا نُؤْمَرُ) أي: في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكمه الرفع.

(أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ) قال في (( المصابيح ) ): بينا تخرج للمفعول، ورفع الحيض ونُخرج بنون مضمومة بالبناء للفاعل ونصب الحيض على أنه مفعول به.

وقال القسطلاني: يخرج بفتح المثناة التحتية بالبناء للفاعل و (( الحيض ) )فاعله، وعزا رواية: (( نُخرج ) )بضم النون ونصب الحيض لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر، ولم يضبط صاحب (( المصابيح ) )روايته الأولى بالمثناة الفوقية أو التحتية، وكل منهما محتمل هاهنا؛ لأنه جمع تكسير، و (( أن ) )وما بعدها في تأويل مصدر في محل نصب على أنه مفعول ثان لنؤمر، أو بإسقاط حرف الجر، لكن يشكل تعلق أمرنا بأن تخرج الحيض ببنائه للفاعل؛ لأن المأمور به على هذا التقدير خروج الحيض، وهو ليس فعلًا من أفعال المأمور فكيف يؤمر به؛ بخلاف الروايتين الأخريين فإن المأمور به فيهما الإخراج وهو من فعل المأمور، فليتأمل.

وخروج الحيض كان إلى

ج 2 ص 20

مصلى العيد، ويعتزلن في جانب عن الرجال.

(فَيُكَبِّرْنَ) أي: الحيض (بِتَكْبِيرِهِمْ) أي: تكبير المصلين وإن لم يتقدم لهم ذكر لدلالة القرينة عليهم من السياق.

قال الكرماني: فـ (( يكبرن ) )معطوف على (( كنا ) ).

وأقول: الأقرب لفظًا ومعنى أن يكون معطوفًا على (( تخرج ) )على احتمالاته.

(وَيَدْعُونَ) بفتح التحتية وسكون الدال وضم العين وسكون الواو، مضارع دعا ولامه واو، وهو مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة.

قال في (( الفتح ) ): يدعون لأكثر الرواة، وللكشميهني: بياء تحتانية بدل الواو، انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا الذي ذكره مخالف لقواعد العربية والتصريف؛ لأن هذه الصيغة معتلة اللام من ذوات الواو، ويستوي فيها جماعة الذكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعًا، وفي التقدير مختلف فوزن الجمع المذكر: يفعون، ووزن الجمع المؤنث: يفعلن، انتهى.

وأقول: إن هذا التعقب ظاهر السقوط عن صاحب (( الفتح ) )؛ لأنه ناقل ولا يرد على الكشميهني؛ لأن الرواية هكذا وصلت إليه على أنه لو نظر في كتب اللغة لم يتعقب.

فقد قال في (( القاموس ) ): دعيت: لغة في دعوت، انتهى.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) مما وصله المؤلف مطولًا في بدء الوحي في قصة هرقل (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب (أَنَّ هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، وحكي سكون الراء وكسر القاف، وهو عظيم الروم (دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) الذي أرسله إليه يدعوه فيه إلى الإيمان.

(فَقَرَأَهُ) بالضمير، وفي بعض النسخ: بدون ضمير؛ أي: أمر هرقل بقراءة الكتاب أو قرأه بنفسه، والأول هو الراجح لما تقدم في بدء الوحي من أنه دعا ترجمانه ودفع إليه الكتاب، ويمكن الجمع بأنه قرأه مرة بنفسه ثم دفعه إلى الترجمان فقرأه مرة أخرى.

(فَإِذَا فِيهِ بسم الله الرحمن الرحيم وَ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران:64] ) بزيادة الواو للقابسي والنسفي وعبدوس، وسقطت لأبي ذر والأصيلي، قال صاحب (( المشارق ) ): وهو الصواب.

قال في (( الفتح ) ): فافهم أن الأولى خطأ لكونها مخالفة للتلاوة وليست خطأ وقدمت توجيه إثبات الواو في بدء الوحي، انتهى.

من ذلك أن الواو عاطفة لمقدر على: أدعوك، والتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام وأتلو عليك: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} انتهى.

وأقول: إن هذا التوجيه يخص ما ذكر في بدء الوحي، ولا يجري هنا إذ ليس قوله: أدعوك بدعاية الإسلام مذكورًا هنا فليحرر.

( {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} الآية) وتمامها: {سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64] .

والغرض من إيراد الآية هاهنا: الاستدلال على جواز القراءة للجنب؛ لأنه كتب لهم الكتاب ليقرؤوه وهم كفار وجنب، فاستلزم جواز القراءة للجنب نصًا لا استنباطًا.

وأجيب: بأن الكتاب اشتمل على غير الآيتين مما هو أكثر منهما فأشبه ما لو كان بعض القرآن في كتاب فقه أو تفسير، فإنه لا يمنع من قراءته ولا مسه عند الجمهور، كذا في القسطلاني.

وأقول: المس عند الجمهور مسلم جوازه، وفي القراءة نظر إذ لا فرق فيها بين أن تقرأ من المصحف أو من كتب فقه أو تفسير، والأولى في الجواب: أن ما كتب في كتابه صلى الله عليه وسلم لم يقصد منه التلاوة وإنما قصد به النظر والتدبر في معناه ليظهر لهم الحق فيتبعوه، ولا يلزم من ذلك التلاوة، أو أن ذلك اغتفر لمصلحة التبليغ، ونص الإمام أحمد على أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ.

قال في (( الفتح ) ): وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل كالآية والآيتين.

قال الثوري: لا بأس أن يعلم الرجل النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهديه، وأكره أن يعلمه الآية هو كالجنب، وعن أحمد أكره أن يضع القرآن في غير موضعه، وعنه إن رجي منه الهداية جاز وإلا فلا.

وقال بعض من منع: لا دلالة في القصة على جواز تلاوة الجنب القرآن؛ لأن الجنب إنما منع التلاوة إذا قصدها وعرف أن الذي يقوله قرآن، أما لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أنه من القرآن فإنه لا يمنع، وكذا الكافر انتهى.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح مما وصله المؤلف في كتاب (( الأحكام ) )وفي آخره أنها لا تطوف بالبيت، ولفظه هنا (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه أنه قال: (حَاضَتْ عَائشَةُ فَنَسَكَتِ) بفتح النون والسين.

(المَنَاسِكَ) المتعلقة بالحج؛ أي: إقامتها وأتت بها (كلَّها) سقطت في رواية غير الأصيلي (غَيْرَ الطَّوَافِ بالبَيْتِ) والمناسك: جمع منسك بفتح السين وتكسر وهو التعبد، فهو مصدر ويطلق أيضًا على الزمان والمكان

ج 2 ص 21

من النسيكة وهي الذبيحة، وكلما تقرب به إلى الله تعالى، ولكن العرف خصصها بأمور الحج المتعبد بها.

وقوله: (ولا تُصَلِّي) جملة حالية من فاعل (( نسكت ) )قال الكرماني: ولعل فائدة ذكره بيان: أني عرفت حيضها بتركها الصلاة، فتكون هذه الجملة من كلام جابر.

وقال ابن الملقن: يحتمل أن تكون من كلام عطاء، ويحتمل أن تكون من كلام البخاري انتهى.

وأقول: الظاهر ما قاله الكرماني؛ لأن العلم بعدم صلاتها لا يعلم إلا من جهته.

(وقالَ الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عتيبة _ تصغير عتبة بالمثناة الفوقية _ مما وصله البغوي في (( الجعديات ) ) (إنِّي لَأَذْبَحُ) أي: الذبيحة (وأَنَا جُنُبٌ) والذبح يستلزم ذكر الله تعالى (وقالَ اللهُ) عز وجل بالواو، والظاهر أنها واو الحال والجملة حالية بتقدير: قد من فاعل (( أذبح ) ).

( {ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} ) أراد إني لأذبح الذبيحة، والحال أني جنب، ولكن لابد أن أذكر الله تعالى بحكم هذه الآية، فإن الذبح مستلزم شرعًا لذكر الله تعالى بمقتضى هذه الآية، فدل على أن الجنب يجوز له التلاوة.

قال البيضاوي: ظاهر الآية تحريم متروك التسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود وعن أحمد مثله، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله صلى الله عليه وسلم: (( ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله ) )، وفرق أبو حنيفة بين العمد والنسيان، وأولوه بالميتة أو بما ذكر عليه غير اسم الله لقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121] ، فإن الفسق ما أهل به لغير الله تعالى، انتهى.

وأقول: في نسبته حل متروك التسمية عمدًا لمالك نظر فقد نقل الشهاب في حاشيته عن صاحب (( الانتصاف ) )وهو مالكي: أن مالكًا موافق لأبي حنيفة، وأما ما ذكره البيضاوي فرواية شاذة عن أشهب، ونقل أيضًا: أن الخلاف خاص بالحيوان أما غيره فحلال وإن لم يذكر اسم الله عليه عند الجميع إلا عطاء وطاوسًا فإنهما يقولان: إن متروك التسمية حرام مطلقًا، وإن كان من غير الحيوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت