فهرس الكتاب
(19) (باب) بالتنوين (لاَ يُفَرَّقُ) بتشديد الراء مبنيًا للمفعول، ويجوز أن يكون مبنيًا للفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى الداخل المعلوم من المقام ولا ناهية أو نافية بمعنى النهي (بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ويدخل في التفرقة ما إذا زاحمها وجلس بينهما وما إذا تخطاهما والأول أشد من الثاني.
قال في (( الفتح ) ): كذا ترجم ولم يبت الحكم وقد نقل الكراهة عن الجمهور ابن المنذر واختار التحريم.
وبه جزم النووي في (( زوائد الروضة ) )والأكثر على أنها كراهة تنزيه، ونقله الشيخ أبو حامد على النص، والمشهور عند الشافعية الكراهة كما جزم به الرافعي والأحاديث الواردة على الزجر عن التخطي مخرجة في المسند والسنن وفي غالبها ضعف، وأقوى ما ورد فيه ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق ابن الزاهرية قال: (( كنا مع عبد الله بن بشر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أن رجلًا جاء يتخطى والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال اجلس فقد آذيت ) ).
ولأبي داود من طريق عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: (( ومن تخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا ) )انتهى.
يعني أنها لا تحسب له جمعة تكفر ما بينها وبين الجمعة الأخرى.
قال القسطلاني: وفي الطبراني إذ قال لرجل رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم من آذى مسلمًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله.
وللترمذي من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم قال العراقي اتخذ مبنيًا للمفعول أي: يجعل جسرًا على طريق جهنم ليوطأ ويتخطى كما تخطى رقاب الناس فإن الجزاء من جنس العمل ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل أي: اتخذ لنفسه جسرًا يمشي عليه إلى جهنم بسبب ذلك.
وفي (( الموطأ ) )عن أبي هريرة: (( لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس ) ).
ومعناه أن الإثم في التخطي أكثر من الإثم في التخلف عن الجمعة لأن ظهر الحرة لا تقام فيه الجمعة وقيل إن صلاته بالحرة مع بعدها لو فرض أن فيها جمعة خير له من أن يتخطى رقاب الناس والمعنى الأول أقرب واستثني من ذلك الإمام فلا يكره له التخطي إذا لم يبلغ المحراب إلا به وكذا من اضطر إلى التخطي لحاجة لا بد له منها كالوضوء أو لكونه لم يجد موضعًا للصلاة بدونه وكذا لو آذتهم الشمس فلهم أن يشقوا الصفوف ويدخلوا موضع الفيء.
وقال العيني: ثم تقييد التخطي بالكراهة يوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث وكذلك قيده الترمذي في حكايته عن أهل العلم وكذلك قيده الشافعية في كتبهم في أبواب الجمعة وكذا هو عبارة الشافعي في (( الأم ) )وأكره تخطي رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب انتهى.
قلت: هذا التعليل يشمل يوم الجمعة وغيره من سائر الصلوات في المساجد وغيرها وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث ومجالس الوعظ رد على هذا يحمل التقييد بيوم الجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس بخلاف غيره ويؤيد ذلك ما رواه أبو منصور الديلمي في (( مسند الفردوس ) )من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (( من تخطى حلقة قوم بغير إذنهم فهو عاص ) )ولكنه ضعيف ثم اختلفوا في كراهة ذلك هل هي للتحريم أو لا فالمتقدمون يطلقون الكراهة ويريدون كراهة التحريم.
وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه عن نص الشافعي التصريح بتحريمه وحكى الرافعي في (( الشهادات ) )عن صاحب
ج 2 ص 750
(( العمدة ) )أنه عدّه من الصغائر ونازعه الرافعي وقال أنه من المكروهات وقال في باب الجمعة إن تركه من المندوبات.
وصرح النووي في (( شرح المهذب ) )بأنه مكروه كراهة تنزيه.
وقال في (( زوائد الروضة ) )أن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط.
وقال شارح الترمذي ويستثنى من التحريم أو الكراهة الإمام ومن كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي وأطلق النووي في (( الروضة ) )استثناء الإمام ومن بين يديه فرجة ولم يقيد الإمام بالضرورة ولا الفرجة بكون التخطي إليها يزيد على صفين.
وقيد ذلك في (( شرح المهذب ) )إلى آخر ما أطال به.
وأقول: ظاهر النصوص يدل على الكراهة التحريمية ولا سيما المعللة بالإيذاء منها ما رواه أحمد في (( مسنده ) )عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الذي يتخطى رقاب الناس أو يفرق بين اثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار ) ).
وما رواه الطبراني في (( الكبير ) )عن عثمان بن الأزرق بلفظ من تخطى رقاب الناس بعد خروج الإمام أو فرق بين اثنين كان كالجار قصبه في النار وفي ابن الملقن روى ابن وهب عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ) )اللهم إلا أن يقال أن تلك الأحاديث الواردة بالزجر لم تصح عند من قال بالكراهة التنزيهية.
فقد قال في (( الفتح ) ): والأحاديث الواردة في الزجر عن التخطي مخرجة في المسند والسنن وفي غالبها ضعف انتهى.