(6) (بابٌ) بالتنوين (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ) مبتدأ وقوله: (وَضُوءُ الْمُسْلِمِ) بفتح الواو خبر، وقوله: (يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ) خبر بعد خبر والمراد بالطيب: الطاهر وقيل: الحلال فلا يصح التيمم بالتراب النجس اتفاقًا على القولين، ولا يشترط فيه أن يكون حلالًا عند الجمهور؛ خلافًا للحنابلة وكذلك حكم الوضوء عندهم لا يصح بالماء الحرام والصعيد ما صعد على وجه الأرض.
وقال في (( الصحاح ) ): الصعيد التراب وقال ثعلب: وجه الأرض لقوله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف:40] .
وقال ابن بطال: اختلف الفقهاء فقال مالك وأبو حنيفة: يجوز على كل أرض طاهرة سواء كانت حجرًا لا تراب عليه أو غير ذلك.
وقال الشافعي: التراب شرط في صحة التيمم، وقال بعض المالكية: يجوز بالصخرة المغسولة وبكلما ما اتصل بالأرض من الخشب وغيره، وذهب أبو يوسف إلى أنه لا يصح التيمم إلا بالتراب أو الرمل، و (( من ) )في قوله: (( من الماء ) )بمعنى عن، أو للبدل كقوله تعالى: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} [التوبة:38] ؛ أي: يغني التيمم بالتراب الطهور عن الماء عند فقده أو يكون بدلًا عنه.
قال في (( الفتح ) ): وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعًا وصححه ابن القطان، لكن صوب الدارقطني إرساله.
قال الكرماني: وغرض البخاري أن التيمم حكمه حكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به ما لم يحدث بأحد الحدثين.
وقال الحسن والكوفيون: يصلي ما لم يحدث جميع الصلوات؛ لأنه مرتب على الوضوء وله حكمه، والأئمة الثلاث لا يصلي بالتيمم الواحد إلا صلاة واحدة، إذ ليست الطهارة بالصعيد مثل الطهارة بالماء وإنما هي طهارة ضرورة لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت بدليل بطلانها بوجود الماء قبل الصلاة، وأن الجنب يعود جنبًا إذا وجد الماء والوضوء بالماء لا يبطل ولذلك أمر من صلى به بطلب الماء لصلاة أخرى.
وأن المتوضئ يجوز له أن يتوضأ للصلاة قبل وقتها، والمتيمم لا يجوز له ذلك، فإذا لم يجز له أن يتيمم للعصر حتى يدخل وقتها وجب أن يكون التيمم للعصر لا يجزئ للمغرب إذا كان متيممًا لها قبل وقتها؛ لأن العلة المانعة له من التيمم للعصر قبل وقتها هي المانعة له من المغرب انتهى.
وأقول: هذا الدليل لا يرد على الخصم إذ من يقول بجواز أداء مكتوبتين وقتيتين بتيمم واحد يقول بجواز تقديمه على الوقت، وبقية أدلته الجواب عنهما ظاهر ومبناها: أن الخلق يعطي حكم أصله وهو غير لازم كما لا يخفى.
وقال العيني: قد طول الكرماني في الاحتجاج للشافعي ومن تبعه في هذا من طريق العقل والنقل يبطله انتهى.
أقول: ومن جملة النقل قوله عليه الصلاة والسلام: (( الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ) )رواه أبو داود وابن حبان والحاكم عن أبي ذر.
وصححه الترمذي فقال: حسن صحيح فقد جعله عليه الصلاة والسلام وضوءًا عند عدم الماء مطلقًا، فوجب أن يكون حكمه حكم الوضوء، فوجب القول بارتفاع الحدث إلى وجود الماء، ويؤيده قوله تعالى: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ} [المائدة:6] .
وقال العيني: معنى الحديث أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى إن بلغت مدة عدم الماء إلى عشر سنين، وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة يكفيه عشر سنين انتهى.
وأقول: نفى أن يكون هذا مرادًا من الحديث غير مسلم، وما المانع من أن يكون مرادًا له صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة والفرض، فلو فرض أن إنسانًا فقد الماء عشر سنين وأدى فرائض تلك السنين بتيمم واحد لأجزأه، وهو أدل على غرض البخاري من جواز أداء فرائض متعددة بتيمم واحد فليتأمل.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصري مما وصله عبد الرزاق بنحوه (يُجْزِئُهُ) بضم المثناة التحتية مهموزًا؛ أي: يكفيه (التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي: مدة عدم حدثه.
قال في (( الفتح ) ): وصله عبد الرزاق ولفظه: (( يجزئ تيمم واحد ما لم يحدث ) )، وابن أبي شيبة ولفظه: (( لا ينقض التيمم إلا الحدث ) )، وسعيد بن منصور ولفظه: (( التيمم بمنزلة الوضوء إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث ) )، وهو أصرح في مقصود الباب، وكذلك ما أخرجه حماد بن سلمة في مصنفه عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: (( تصلي الصلوات كلها بتيمم واحد ما لم تحدث ) )انتهى.
فهذه الآثار صريحة فيما ذهب إليه المصنف: من أن التيمم يجوز أن يؤدي به ما شاء الشخص من الفروض والنوافل.
وقال القسطلاني: وقد أبيح عند الجمهور بالتيمم الواحد النوافل مع الفريضة، إلا أن مالكًا اشترط تقدم الفريضة انتهى.
(وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ)
ج 2 ص 83
رضي الله عنهما؛ أي: صلى بالناس المتطهرين بالماء إمامًا (وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ) وهذا وصله البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والجمهور؛ خلافًا للأوزاعي قال: لضعف طهارته.
قال في (( الفتح ) ): وأشار المصنف بذلك إلى أن التيمم يقوم مقام الوضوء ولو كانت الطهارة به ضعيفة ما أم ابن عباس وهو متيمم من كان متوضئًا.
وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور، وذهب بعضهم من التابعين وغيرهم إلى خلاف ذلك وحجتهم: أن التيمم طهارة ضرورية لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت انتهى.
وقال العيني: وقال بعضهم يعني صاحب (( الفتح ) ): وهذه المسألة وافق فيها الكوفيين والجمهور على خلاف ذلك قلت: هذا عكس القضية، بل الجمهور على الموافقة يقف عليه من ينعم النظر في الكتب انتهى.
وأقول: هذا الاعتراض حق لو كان كلام صاحب (( الفتح ) )على ما نقله وليس كذلك، فالظاهر أن النسخة التي نقل عنها العيني سقط منها من قلم الناسخ ما اختل بسقوطه المعنى.
لكن في (( الانتقاض ) )ما يقتضي ثبوت ما نقله العيني عنه فإنه قال فيه: قال (( ح ) )، هذه المسألة يعني أن التيمم لرفع الحدث وافق فيها البخاري الكوفيين، والجمهور على خلاف ذلك قال (( ع ) ): هذا عكس القضية بل الجمهور على الموافقة انتهى.
ولم يتعرض للجواب فلعل نسخة (( الفتح ) )غيرت بعد ذلك إلى صورة لا يرد عليها اعتراض العيني فليتأمل.
(وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، الأنصاري الآتي في السند قريبًا (لاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ عَلَى السَّبَخَةِ) بسين مهملة فموحدة فخاء معجمة مفتوحات، وهي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت شيئًا.
وقال في (( القاموس ) ): السبخة: محركة ومسكنة أرض ذات نزٍ وملح والجمع سباخ.
(وَالتَّيَمُّمِ بِهَا) بالجر عطفًا على (( الصلاة ) )وهو موضع المطابقة للترجمة من حيث أن معنى الطيب: الطاهر، والسبخة: طاهرة فتدخل تحت الطيب.
قال العيني: ويدل عليه ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله عنها في شأن الهجرة: (( أنه صلى الله عليه وسلم قال: أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخيل ) )يعني المدينة، قال: وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة طيبة فدل على أن السبخة داخلة في الطيب، ولم يخالف في ذلك إلا إسحاق بن راهويه انتهى.