فهرس الكتاب

الصفحة 1423 من 1465

(18)(باب المَشِي إِلَى الجُمْعَةِ)أي: المضي إلى صلاتها ماشيًا أو راكبًا لكن المشي أفضل إليها وإلى بقية الصلوات والعبادات إلا الحج والعمرة فالركوب فيهما أفضل(وَقَولُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ)بالجر عطفًا على المشي.

( {فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} ) أي: فامضوا واذهبوا؛ لأن السعي يطلق على الذهاب وعلى العدو، والمراد الأول لما في الحديث الآتي في الباب وغيره فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، ففي إيراد المصنف له إشارة إلى أن السعي المأمور به في الآية غير السعي المنهي عنه في الحديث؛ لأن المراد به فيه العدو لمقابلته بالمشي.

قال في (( المنحة ) ): نعم إن ضاق الوقت ندب العدو بل قال المحب الطبري: إنه يجب إن لم يدرك الجمعة إلا به.

(وَمَنْ قَالَ) محله الجر عطفًا على المشي أي: وباب من قال في تفسير {فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة:9] (السَّعيُ العَمَلُ والذَّهابُ، لِقَوْلِهِ تَعَالى {وَسَعَى لَهُا سَعْيَهَا} ) الضمير البارز للآخرة.

قال الكرماني: يسعى لها أي: عمل لها وذهب لها فإن قلت هذا معدى باللام وذلك بإلى قلت لا تفاوت بينهما إلا بإرادة الاختصاص والانتهاء سعيها.

قال البيضاوي: أي: حقها من السعي وهو الإتيان بما أمر والانتهاء عما نهي لا التقرب بما يخترعون بآرائهم وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص.

قال في (( الفتح ) ): وقال ابن المنير في الحاشية لما قابل الله تعالى بين الأمر بالسعي والنهي عن البيع دل على أن المراد بالسعي العمل الذي هو الطاعة لأنه هو الذي يقابل سعي الدنيا

ج 2 ص 746

كالبيع والصناعة والحاصل أن المأمور به سعي الآخرة والمنهي عنه سعي الدنيا.

وفي (( الموطأ ) )عن مالك: أنه سأل ابن شهاب عن هذه الآية فقال كان عمر يقرؤها إذا نودي إلى الصلاة فامضوا وكأنه فسر السعي بالذهاب.

قال مالك: وإنما السعي العمل لقول الله {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ} [البقرة:205] {وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى} [عبس:8] قال مالك وليس السعي الاشتداد انتهى وقال ابن الملقن السعي في لسان العرب الإسراع في المشي والعمل أيضًا.

(وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَحْرَمُ البَيْعَ حِينئِذٍ) أي: حين إذ نودي إلى الصلاة بعد جلوس الخطيب على المنبر وكالبيع غيره من كل ما يشغل عن الصلاة، وهذا التعليق وصله ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ: (( لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى للصلاة فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع ) )، ورواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا.

قال في (( الفتح ) ): وإلى القول بالتحريم ذهب الجمهور وابتداؤه عندهم من حين الأذان بين يدي الإمام؛ لأنه الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يحرم عنده البيع، وأما الذي عند الزوال فيجوز عندهم البيع فيه مع الكراهة وعن الحنفية يكره مطلقًا ولا يحرم وهل يصح البيع مع القول بالتحريم قولان مبنيان على أن النهي هل يقتضي الفساد مطلقًا أو لا انتهى.

وقال العيني: قال الزجاج البيع من وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة كالحرام.

وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء ولأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان وعن قتادة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء.

وقال الضحاك: إذا زالت الشمس وعن عطاء والحسن مثله وعن أيوب لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون حرم البيع وذلك عند خروج الإمام وفي الهداية المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع هو الأذان الأصلي الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي المنبر قلت هو مذهب الطحاوي فإنه قال: هو المعتبر في وجوب السعي في الجمعة على المكلف وفي حرمة البيع والشراء.

وفي (( فتاوى العتابي ) ): هو المختار وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر علماء الأمصار ونص في المرغيناني أنه هو الصحيح وقال ابن عمر الأذان الأول بدعة ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه عنه ثم البيع إذا وقع فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي يجوز البيع مع الكراهة وهو قول الجمهور.

وقال مالك وأحمد: وهو قول الظاهرية يبطل البيع وفي (( المحلى ) )بفسخ البيع إلى أن تقضى الصلاة ولا يصححه خروج الوقت ولو كانا كافرين ولا يحرم نكاح ولا إجارة ولا سلم.

وقال مالك: كذلك في البيع الذي فيه مسلم وكذا في النكاح والإجارة والسلم وأباح الهبة والقرض والصدقة والرهن والحمالة وقال أصبغ يفسخ النكاح.

وقال ابن التين: كل من لزمه التوجه إلى الجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع أو نكاح أو عمل قال واختلف في النكاح والإجارة قال وذكر القاضي أبو محمد أن الهبات والصدقات مثل ذلك.

وقال أبو محمد: من انتقض وضوءه فلم يجد ماء إلا بثمن جاز له أن يشتريه ليتوضأ به ولا يفسخ شراؤه.

وقال الشافعي في (( الأم ) ): ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولا يكره وإذا بايع رجل رجلًا وأحدهما من أهل فرضها فإن كان قبل الزوال فلا كراهة وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر أو قبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه وإن كان بعد جلوسه وشروع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعًا سواء كانا من أهل الفرض أو أحدهما ولا يبطل البيع وحرمة البيع ووجوب السعي مختصان بالمخاطبين بالجمعة أما غيرهم كالنساء فلا يثبت في حقه ذلك وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين انتهى ملخصًا.

(وقَالَ: عَطَاءُ) بن أبي رباح (تَحْرُمُ الصِنَاعَاتُ كُلُّهَا) وهذا التعليق وصله عبد بن حميد في (( تفسيره ) )بلفظ (( إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتابًا ) ).

وبهذا قال الجمهور أيضًا كذا في الفتح والعيني لكن في العيني بالأول فإن حمل الأول على الأذان الأول لم يستقم لأن الأذان الأول لا يحرم به شيء مما ذكر إلا أن يكون مذهب عطاء أنه بالأذان الأول تحرم هذه الأشياء وهو في غاية البعد لأن عثمان رضي الله عنه أحدثه بعد أن استقرت الأحكام وعلى ما في (( الفتح ) )من لفظ الأولى يمكن حمله على الأولى أي: اللفظة الأولى والجملة الأولى من ألفاظ الآذان الثاني فليتأمل.

والظاهر أن المراد بقوله حرم اللهو أي: المباح من القول والفعل وإلا فاللهو المحرم كصوت الآلات المعدة للهو

ج 2 ص 747

محرم مطلقًا ولا اختصاص له بالنداء فتأمله.

(وقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهْوَ مُسَافِرٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ) أي: يحضر الجمعة.

قال في (( الفتح ) ): لم أر هذا التعليق من رواية إبراهيم وذكره ابن المنذر عن الزهري وقال أنه اختلف عليه فيه فروي عنه هكذا وروي عنه مثل قول الجماعة لا جمعة على مسافر.

قال ابن المنذر: وهو كالإجماع ويمكن حمل قول الزهري لا جمعة على مسافر أي: على سبيل الوجوب وقوله فعليه أن يشهدها أي: على سبيل الاستحباب أو على صورة مخصوصة وهي ما إذا اتفق حضوره موضع إقامتها فسمع النداء لا أنها تجب على المسافر مطلقًا حتى يحرم عليه السفر بعد دخول وقتها من بلدة اجتاز بها وكان هذا ترجح عند البخاري ويتأيد بعموم قوله تعالى {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة:9] فإنه عام في المقيم والمسافر ونقل القسطلاني عن المالكية أنها تجب عليه إذا أدركه صوت المؤذن قبل مجاوزة الفرسخ.

وقال ابن الملقن: السفر بعد الزوال حرام إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة وبه قال مالك وأحمد وداود وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعائشة وابن المسيب.

وقال أبو حنيفة: يجوز والصحيح عند الشافعي أن ما قبل الزوال كذلك وجوزه مالك قبله وهو مذهب عمر والزبير وأبي عبيدة وابن عمر والحسن وابن سيرين وأما السفر ليلتها فهو مكروه عندنا لكنه جائز عندنا وعند كافة العلماء إلا ما حكي عن النخعي من أنه قال لا يسافر بعد دخول العشي من يوم الخميس حتى يصليها وهو باطل لا أصل له كما قاله النووي وإن روى ابن شيبة بسنده عن عائشة أنها قالت إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة انتهى كلام ابن الملقن.

وقال العيني: بعد قوله لا أصل له قلت بل له أصل صحيح رواه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة قالت إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة انتهى.

وأقول: أخذ الرد على النووي مما أورده ابن الملقن عن عائشة وهذا لم يعتد به ابن الملقن كما هو ظاهر قوله وإن روى ابن أبي شيبة فلا ثبت به الحجة على النخعي فليتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت