فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1465

(37)(باب: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ)بترك التنوين لإضافته إلى(( سُؤَالِ ))

ج 1 ص 337

وبإضافة سؤال إلى (( جِبْرِيلَ ) )وهي من إضافة المصدر إلى فاعله و (النَّبِيَّ) مفعوله على حد قوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ} [البقرة:251] (صلى الله عليه وسلم عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالإِحْسَانِ) الآتي تفسيرها (وَعن عِلْمِ) وقت (السَّاعَةِ) لا عن نفسها بقرينة ذكر (( متى ) )فاندفع ما قيل السؤال ليس عن علمها والمراد بها القيامة.

قال في (( الكشاف ) ): وسميت ساعة؛ لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها؛ أي: فهو تمليح كما يقال للأسود كافورًا، ولأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق. انتهى.

(وَبَيَانِ) بالجر عطفًا على سؤال وليس عطفًا على علم كما توهم (النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) من إضافة المصدر إلى فاعله (لَهُ) أي: لجبريل.

قال العيني: وقد أعاد الكرماني الضمير إلى المذكور من قوله: عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وهذا وهم منه، ثم تكلف بجواب عن سؤال بناه على ما زعمه فقال: فإن قلت: لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم وقت الساعة فكيف قال: وبيان النبي له؛ لأن الضمير إما راجع إلى الأخير أو إلى مجموع المذكور؟.

قلت: إما أنه أطلق وأراد أكثره إذ حكم معظم الشيء حكم كله أو جعل الحكم فيه بأنه لا يعلمه إلا الله بيانًا له. انتهى.

(ثُمَّ قَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إلى الحديث إشارة من المصنف إلى كيفية استدلاله من سؤال جبريل، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم إياه على جعل كل ذلك دينًا فلذلك قال: ثم قال بالجملة الفعلية عطفًا على الجملة الاسمية؛ لأن الأسلوب يتغير بتغير المقصود؛ لأن مقصوده من الكلام الأول هو الترجمة، ومن هذا الكلام كيفية الاستدلال، فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان، وفي عطف الفعلية على الاسمية وعكسه خلاف بين النحاة.

(جَاءَ جِبْرِيلُ) عليه السلام (يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب، وإلا فالمعلم هو النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل في صورة السائل ليسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم الجواب فيتعلموا (فَجَعَلَ) النبي صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا) .

قال الكرماني: فإن قلت: وقت الساعة ليس من الإيمان فكيف قال كله؟.

قلت: الاعتقاد بوجودها، وبعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى من الدين أيضًا أو أعطي للأكثر حكم الكل مجازًا. انتهى.

قال العيني: وفيه نظر؛ لأن لفظة (( كل ) )تدفع المجاز.

(وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) كلمة (( ما ) )مصدرية تقديره: مع بيان النبي صلى الله عليه وسلم (لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ) الوفد هم الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم واحدهم وافد وعبد القيس قبيلة عظيمة من قبائل العرب (مِنَ الإِيمَانِ) بيان لما في قوله: (( وما بين ) )أي: مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجر، وفي رواية أبي ذر: ، وللأصيلي: ( {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ) .

قال البيضاوي: أي: غير التوحيد والانقياد لحكم الله فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين؛ أي: الواقعين في الخسران، والمعنى: أن المعرض عن الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام، إذ لو كان غيره لم يقبل والجواب عنه أنه ينفي قبول كل دين يغايره، لا قبول كل ما يغايره، ولعل الدين أيضًا الأعمال. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): تقدم أن المصنف يرى أن الإسلام والإيمان عبارة عن معنى واحد، فلما كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة أراد

ج 1 ص 338

أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته فقوله وبيان؛ أي: مع بيان أن الاعتقاد والعمل دين.

وقوله: (( وما بين ) )أي: مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا.

وقوله: (وقول الله تعالى) أي: ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ودل عليه خبر أبي سفيان: (( إن الإيمان هو الدين ) )فاقتضى ذلك أن الإيمان والإسلام واحد هذا محصل كلامه، وقد نقل أبو عوانة الإسفراييني في (( صحيحه ) )عن المزني صاحب الشافعي: الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد وأنه سمع ذلك منه.

وعن الإمام أحمد: الجزم بتغايرهما ولكل من القولين أدلة متعارضة.

وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا. انتهى كلامه ملخصًا.

ومقتضاه: أن الإسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل بخلاف الإيمان فإنه يطلق عليهما معًا، ويرد عليه قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3] .

فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا؛ لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي، وبهذا استدل المزني وأبو محمد البغوي فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام هنا اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (( أتاكم ليعلمكم دينكم ) ).

وقال سبحانه وتعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3] ، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85] ، ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إليه. انتهى كلامه.

والذي يظهر من مجموع الأدلة: أن لكل منهما حقيقة شرعية كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق فإن ورد في مقام السؤال أمكن الحمل على الحقيقة وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام السؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو على المجاز بحسب ما يظهر من القرائن.

وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة قالوا: أنهما تختلف دلالتهما بالاقتران فإذا أفرد أحدهما دخل الآخر فيه وعلى هذا يحمل ما حكاه محمد بن نصر وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر: أنهم سووا بينهما على ما في حديث عبد القيس وما حكاه اللالكائي وابن السمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل، والله الموفق. انتهى.

وهو كلام حسن نقلناه على طوله؛ لاحتياج المقام إليه لكن في قوله: إن كلًا منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل نظر؛ لأن الظاهر أن استلزامه الآخر على سبيل الشرطية.

قال سعد الدين التفتازاني: وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم أو مسلم وليس بمؤمن ولا نعني بوحدتهما سوى هذا وظاهر كلام المشايخ أنهم أرادوا عدم تغايرهما بمعنى أنه لا ينفك أحدهما

ج 1 ص 339

عن الآخر لا الاتحاد بحسب المفهوم إلى آخر ما ذكره.

وفي قوله: إن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد نظر أيضًا فإنه يفيد أن العامل يكون مسلمًا ناقصًا إذا لم يعتقد مع أنه لا يكون مسلمًا أصلًا؛ لأن مراده بالاعتقاد التصديق وبدون التصديق لا يوصف بالإيمان.

نعم: العكس وهو قوله: إن المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل صحيح، فليتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت