(7) (باب) بالتنوين، وسقط لفظ في رواية الأصيلي (مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ) أي: المؤمن (لأَخِيهِ) المسلم وكذا المسلمة (مَا) أي مثل ما؛ أي: الذي (يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) قال الكرماني: قدم لفظ الإيمان بخلاف أخواته حيث قال: حب الرسول من الإيمان، وقال: إطعام الطعام من الإيمان إما للاهتمام بذكره وإما للحصر، فكأنه قال: المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيمًا لهذه المحبة، وتحريضًا عليها انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وهو توجيه حسن إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معًا، وهو قوله: باب حب الرسول من الإيمان، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه انتهى.
واعترضه العيني فقال: الذي ذكره لا يرد على الكرماني، وإنما يرد على البخاري حيث لم يقل من الإيمان حب الرسول، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه إنما قدم لفظة حب الرسول اهتمامًا بذكره أولًا، وإما استلذاذًا باسمه مقدمًا، ولأن محبته هي عين الإيمان ولولاه لما عرف الإيمان انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): فانظره وتعجب انتهى.
ووجه التعجب أنه أخذ الجواب من كلامه، وجعل الاعتراض واردًا على البخاري مع كون وروده على توجيه الكرماني ظاهر إذ مقتضاه أن يقول البخاري: من الإيمان حب الرسول كما قال: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
نعم اشتمل كلام العيني على جوابين آخرين عن تقديم حب الرسول، وهما الاستلذاذ بتقديم اسمه صلى الله عليه وسلم وكون حبه عين الإيمان.
وقال ابن كمال باشا: قدم قوله من الإيمان اهتمامًا؛ لأنه غير منفهم صريحًا من عبارة الحديث بخلاف الإطعام، ولم يراع هذه النكتة في الباب الآتي؛ لأن كون حب الرسول عليه السلام من الإيمان، وإن لم يفهم من عبارة الحديث صريحًا، لكنه ليس بموضع اشتباه، ولأن نكتة أخرى عارضته والرجحان لها وهي أن تقديم حب الرسول عليه السلام كان أنسب تعظيمًا له وفرقًا بينه وبين حب غيره انتهى.
وفي قوله: ولأن نكتة أخرى تعارضته
ج 1 ص 213
نظر؛ لأن المشهور بينهم أن النكات لا تتزاحم، وقد سنح لهذا العبد الضعيف غير ما ذكروه وهو أن الداعي إلى التقديم التنصيص على خبرية الظرف؛ لأنه لو أخر وقيل: أن يحب لأخيه ما يحب من الإيمان لتوهم أن الظرف بيان لما أو متعلق بيحب، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا تقديره مندوب إليه، أو مأمور به، ونظير ذلك ما ذكره أرباب المعاني والبيان في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر:28] أنه قدم من آل فرعون على يكتم إيمانه؛ لأنه لو أخر لتوهم أنه من صلة يكتم فلم يفهم أنه منهم.
وقوله: (( يحب ) )على صيغة المعلوم من باب الأفعال في الموضعين قال الكرماني، وفاعله مضمر فيهما وهو المكلف أو المؤمن أو الرجل انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا فقال: وفاعله مضمر؛ أي: المؤمن ولا وجه لتقدير المكلف لعدم اختصاصه الإيمان به، ولا الرجل لعدم اختصاصه به أيضًا انتهى.
أقول: ما ذكره من كون الضمير للمؤمن هو الظاهر، لكن لا لما ذكره من عدم جواز كون الضمير للمكلف لعدم اختصاص الإيمان به؛ لأن عدم ذلك غير مانع من كون الضمير له؛ لأن المسلم الغير المكلف كالصبي، والمجنون غير داخل في خطابات الشارع، بل لأن قوله من الإيمان قرينة دالة على رجوع الضمير للمؤمن فليتأمل.
قال الراغب: حببت فلانًا يقال في الأصل بمعنى أصبت جنة قلبه نحو شققته وكبدته، وفادته وأحببت فلانًا جعلت قلبي معرضًا لحبه، لكن في التعارف وضع محبوب موضع محب، واستعمل حببت أيضًا في موضع أحببت، والمحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيرًا، وهي على ثلاثة أوجه: محبة اللذة كمحبة الرجل المرأة، ومنه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان:8] .
ومحبة النفع كمحبة شيء ينتفع به ومنه: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف:13] .
ومحبة للفضل كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم، وربما فسرت المحبة بالإرادة نحو قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} [التوبة:108] .
وليس كذلك فإن المحبة أبلغ من الإرادة كما تقدم آنفًا، فكل محبة إرادة، وليس كل إرادة محبة فمحبة الله للعبد إنعامه عليه، ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه انتهى.