فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 1465

(17)(باب الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ)قال في(( الفتح )): يشير بذلك إلى الجواز، والخلاف في ذلك مع الحنفية فإنهم قالوا يكره، وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر.

ومن أدلتهم: ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: (( مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه فلم يرد عليه ) )، وهو حديث ضعيف الإسناد، وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال: حديث حسن؛ لأن في سنده ضعيفًا.

وعلى تقدير أن يكون مما يحتج به فقد عارضه ما هو أقوى منه، وهو واقعة عين فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر، وحمله البيهقي على ما صبغ بعد النسج، وأما ما صبغ غزله ثم نسج فلا كراهة فيه.

وقال ابن التين: زعم بعضهم أن لبس النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الحلة كان من أجل الغزو، وفيه نظر؛ لأنه كان في حجة الوداع، ولم يكن له إذ ذاك غزو. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لا خلاف للحنفية في جواز ذلك، ولو عرف هذا القائل مذهب الحنفية لما قال ذلك، ولم يكتف بذلك حتى قال: وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر.

ولا يحتاج إلى هذا التأويل؛ لأنهم لم يقولوا: بحرمة لبس الأحمر حتى يتأولوا هذا، وإنما قالوا: مكروه لحديث آخر، وهو نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس المعصفر، والعمل بما ورد من الحديثين أولى من العمل بأحدهما، فاحتجوا بالأول على الجواز، وبالثاني على الكراهة.

وقال أيضًا: ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: (( مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل ) )الحديث.

قلت: عرف العصبية حين تحرك حمله على أن سكت عن قول الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث: هذا حديث حسن. انتهى.

ولم يتعرض لهذا الاعتراض في (( الانتقاض ) ).

وأقول: الحق والإنصاف أن ما قاله صاحب (( الفتح ) )هو المعتمد من مذهب الحنفية وهو كراهة لبس الأحمر والمعصفر كراهة تحريم.

وقول العيني: لا خلاف للحنفية في جواز ذلك؛ فيه نظر ظاهر، فإن الجواز لا يجامع كراهة التحريم التي هي المعتمد من المذهب.

قال في (( الدرر ) ): ما كره كراهة التحريم حرام عند محمد، وعندهما إلى الحرام أقرب، فنسبته إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض، وأما المكروه كراهة التنزيه، فإلى الحل أقرب. انتهى.

بل أطلق كثير لفظ الحرام على لبس الأحمر؛ ففي (( شرح النقاية ) )لعلي القاري: ويحرم لبس الأحمر والمعصفر.

واستدل بحديث عبد الله بن عمرو المتقدم، وبما في (( سنن أبي داود ) )عن عبد الله ابن عمرو أيضًا قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب مصبوغ بعصفر موردًا، فقال: (( ما هذا؟ ) )فعرفت ما كره، فانطلقت فأحرقته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما صنعت بثوبك؟ ) )قلت: أحرقته قال: (( أفلا كسوته بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء ) ).

وفي (( صحيح مسلم ) )عنه أيضًا قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين، فقال: (( إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما ) ).

وفي رواية: (( فقلت أغسلهما، قال: بل أحرقهما ) )وهذا مبالغة في النهي لما تقدم.

وروى أبو داود والترمذي عن علي: (( أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس المعصفر ) ). انتهى.

إذا علمت بذلك ظهر لك أن ما نسبه

ج 2 ص 148

صاحب (( الفتح ) )للحنفية هو المعتمد من مذهبهم.

وفي هذه المسألة خمسة أقوال لهم:

أحدها: أنه يستحب أحيانًا، وللشرنبلالي في هذه المسألة رسالة استقصى فيها الأقوال والأدلة.

وقول العيني: وعرق العصبية حين تحرك، حمله على أن سكت عن قول الترمذي ... إلخ ليس كذلك.

فإن صاحب (( الفتح ) )قال بعد قوله: وهو حديث ضعيف الإسناد ما نصه: وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال: حديث حسن كما تقدم، فالظاهر أن نسخة (( الفتح ) )التي كانت بيد العيني كانت خالية عن هذه الزيادة.

نعم: يرد على صاحب (( الفتح ) ): أن أدلة الحنفية ليست مقصورة على هذا الحديث الذي حكم بضعفه، بل لهم أحاديث أخر صحيحة وحسنة، منها: ما تقدم نقله عن (( شرح النقاية ) )من حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو، وكذا أبو داود، فذلك صريح في النهي، ولا سبيل إلى القدح فيه، فليتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت