فهرس الكتاب
قال الكرماني: هو ضد النظافة، ويقال: قذِرت الشيء، بالكسر: كرهته.
وقال في (( القاموس ) ): قذر كفرح ونصر وكرم قذَرًا _ محركة _ وقذارة فهو قذَر _ بالفتح _ وككتف ورجل وخمِل والمراد به هنا: النجس
(أَوْ جِيفَةٌ) : وهي جثة الميتة المنتنة.
وقوله: (لَمْ تَفْسُدْ) : بضم السين؛ أي: لم تبطل (عَلَيْهِ صَلاَتُهُ) : جواب (( إذا ) )الشرطية.
قال في (( الفتح ) ): قوله: (( لم تفسد ) ): محله ما إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتنابه النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه ميل المصنف، وعليه يتخرج صنيع الصحابي الذي استمر في الصلاة بعد أن سالت منه الدماء برمي من رماه، وقد تقدم الحديث عن جابر بذلك في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: من أين علم ميل المصنف إلى القول الثاني، وقد وضع هذا الباب، وترجم بعدم الفساد مطلقًا، ولم يقيد بشيء بما ذكره هذا القائل؟ على أنه قد أكد ما ذهب إليه من الإطلاق بما روي عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي، على أن فيه نظرًا كما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.
ثم تعقب قوله: وعليه يتخرج صنيع الصحابي ... الخ بقوله: هذا الصحابي من حديث جابر رواه أبو داود في (( سننه ) )قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: في غزوة ذات الرقاع
ج 1 ص 725
الحديث، وفيه: فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلًا، وقال: (( من رجل يكلؤنا؟ ) )فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، قال: (( كونا بفم الشعب ) )، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فأتى رجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم، فوضعه فيه فنزعه حتى قضى ثلاثة أسهم ثم ركع وسجد، الحديث.
وتخريج هذا القائل صنيع هذا الصحابي على ما ذكره غير صحيح؛ لأن هذا فعل واحد من الصحابة، ولعله ذهل عنه، أو كان غير عالم بحاله، والتحقيق فيه: أن الدم حين خرج أصاب بدنه وثوبه، فكان ينبغي أن يخرج من الصلاة ولم يخرج، فلما لم يدل مضيه في الصلاة على جواز الصلاة مع النجاسة لا يدل مضيه فيها على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء. انتهى.
أقول: لم يتعرض صاحب (( الفتح ) )في (( الانتقاض ) )لدفع هذا الاعتراض، ولا يخفى ما فيه من المصادرة وهي الاستدلال بمحل النزاع؛ فإن من يقول: إن النجاسة إنما تمنع صحة الصلاة في الابتداء لا إذا طرأت في أثناء الصلاة لا يسلم عدم دلالة مضيه في الصلاة على جواز الصلاة مع النجاسة إذا كانت طارئة في أثناء الصلاة، بل هذا دليله حيث لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإعادة تلك الصلاة، فليتأمل
(وَكَانَ) : ولأبوي ذر والوقت: (ابْنُ عُمَرَ) : رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )بإسناد صحيح (إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا، وَهُوَ يُصَلِّي، وَضَعَهُ) : أي: ألقاه عنه (وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ) .
قال في (( الفتح ) ): ولفظ الأثر: أنه كان إذا كان في الصلاة فرأى في ثوبه دمًا، فاستطاع أن يضعه وضعه، وإن لم يستطع خرج فغسله ثم جاء فبني على ما كان صلى، وإسناده صحيح، وهو يقتضي أنه كان يرى التفرقة بين الابتداء والدوام، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور، وقال الشافعي وأحمد: يعيد الصلاة، وقيدها مالك بالوقت فإن خرج فلا قضاء، وفيه بحث يطول.
واستدل للأولين بحديث أبي سعيد: أنه صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة ثم قال: (( إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا ) )، أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم، ولم يذكر في الحديث الإعادة، وهو اختيار جماعة من الشافعية. انتهى.
وتعقب العيني قوله: وهو يقتضي أنه كان يرى التفرقة ... إلخ فقال: لا يقتضي هذا أصلًا، وإنما يدل على أنه كان لا يرى جواز الصلاة مع وجود النجاسة مع المصلي مطلقًا، وهذه حجة قوية لأبي يوسف فيما ذهب إليه من أن المصلي إذا انتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم ينصرف ويغسل ويبني على صلاته، وكذلك إذا ضرب رأسه أو صدمه شيء فسال منه الدم. انتهى
(وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ) : بفتح المثناة التحتية المشددة (وَالشَّعْبِيُّ) : بفتح الشين عامر.
قال في (( الفتح ) ): كذا للأكثر وهو الصواب، وللمستملي والسرخسي: فإن كانت محفوظة فإفراد قوله: (إِذَا صَلَّى) : على إرادة كل منهما
(وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ) : قيده في (( الفتح ) )بما إذا كان بغير علم المصلي (أَوْ جَنَابَةٌ) : أي: أثرها وهو المني، وهو مقيد عند القائل بنجاسته وبعدم العلم أيضًا
(أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ) : أي: صلى لغير القبلة باجتهاد ثم تبين له الخطأ (أَوْ تَيَمَّمَ) : عند عدم الماء (وَصَلَّى) : وللهروي والأصيلي وابن عساكر: (ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهِ) : أي: بعد أن فرغ (لاَ يُعِيدُ) : أي: الصلاة في المسائل الأربعة.
قال العيني: وهذا الأثر إنما يطابق الترجمة إذا عمل بظاهره على الإطلاق، أما إذا قيل: المراد من قوله: (( دم ) ): أقل من الدرهم عند من يرى ذلك، أو شيء يسير عند من ذهب إلى أن اليسير عفو فلا يطابق الترجمة على ما لا يخفى، وكذا في الجنابة عند من يقول بطهارة المني. انتهى.
وإنما كان على هذا التقدير غير مطابق؛ لأن مراد المصنف من القذر: النجس ولم يقيده بقلة ولا كثرة.
وقال في (( الفتح ) ): والمراد بمسألة الدم ما إذا كان بغير علم المصلي، وكذا الجنابة عند من يقول بنجاسة المني، وبمسألة القبلة ما إذا كان عن اجتهاد ثم تبين الخطأ، وبمسألة التيمم ما إذا كان غير واجد للماء، وكل ذلك ظاهر من سياق الآثار الأربعة المذكورة عن التابعين المذكورين، وقد وصلها عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة مفرقة. وقد تقدمت الإشارة إلى مسألة الدم.
وأما مسألة التيمم فعدم وجوب الإعادة قول الأئمة الأربعة وأكثر السلف، وذهب جمع من التابعين منهم: عطاء وابن سيرين ومكحول إلى وجوب الإعادة مطلقًا. وأما مسألة بيان الخطأ في القبلة فقال الثلاثة والشافعي في القديم: لا يعيد وهو قول الأكثر أيضًا، وقال في الجديد: تجب الإعادة، وتمام تفصيله فيه.