وبالسند إلى المؤلف قال:
159 -160 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة، وقد مر في باب الحرص على الحديث (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين سبط عبد الرحمن بن عوف، مر في باب تفاضل أهل الإيمان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ) الليثي التابعي (أَخْبَرَهُ) : أي: أخبر ابن شهاب (أَنَّ) بفتح الهمزة وتشديد النون (حُمْرَانَ) بضم الحاء المهملة ابن أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن خالد بن عبد عمرو، من سبي عين التمر، سباه خالد بن الوليد فوجده غلامًا كيسًا، فوجهه إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فأعتقه، وكان كاتبه وحاجبه، وهو صحيح الحديث، مات سنة خمس وسبعين.
(مَوْلَى عُثْمَانَ) : أي: ابن عفان رضي الله عنه، وهؤلاء الثلاثة تابعيون (أَخْبَرَهُ) الضمير المستتر لحمران، والبارز المنصوب لعطاء (أَنَّهُ رَأَى) : أي: أبصر (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، وأبو ليلى، ولد في السنة السادسة من عام الفيل، وأسلم قديمًا، وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام، ولما أسلم أخذه عمه الحكم بن العاص، فأوثقه رباطًا، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث، والله لا أدعك أبدًا حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبدًا ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه، وهاجر الهجرتين، الأولى: للحبشة، والثانية: للمدينة، وتزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن بدر، لتمريضها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء البشير بنصر المسلمين ببدر، فضرب له بسهمه وأجره، فهو معدود في البدريين بذلك، فماتت، فدفنوها بالمدينة، فزوجه النبي صلى الله عليه وسلم بأختها أم كلثوم، وتوفيت أيضًا عنده سنة تسع من الهجرة.
قال العلماء: ولا يعرف أن إنسانًا تزوج ببنتي نبيٍّ غيره، ولذلك
ج 1 ص 613
سمي ذا النورين.
وأخرج ابن عساكر عن علي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان: (( لو أن لي أربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة، حتى لا يبقى منهن واحدة، وما زوجتك إلا بالوحي من الله تعالى ) ).
فهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن.
بل قال ابن عبادة: لم يحفظ القرآن من الخلفاء إلا هو والمأمون.
روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث، وستة وأربعون حديثًا، خرَّج البخاري منها أحد عشر حديثًا، روى عنه جماعة من أكابر الصحابة؛ كابن الزبير، والسائب بن يزيد، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وسلمة بن الأكوع، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم، وخلائق من التابعين.
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب قال: ما رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حدَّث أتم حديثًا، ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلًا يهاب الحديث.
بويع له بالخلافة باتفاق أصحاب الشورى الستة الذين فوض عمر أمر الخلافة إليهم، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، غرة المحرم، سنة أربع وعشرين، بعد دفن عمر بثلاث ليالٍ، واستشهد يوم الجمعة؛ لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حشِّ كوكب بالبقيع، وهو أول من دفن به، وكان عمره اثنين وثمانين سنة، وقيل: إحدى وثمانين، وقيل: أربع وثمانين، وقيل: ست وثمانين، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: تسع وثمانين، وقيل: تسعين، وصلى عليه الزبير، وتولى دفنه بوصية منه.
وهو الذي جهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة.
أخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: (( اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين: حين حفر بئر رومة، وحين جهز جيش العُسرة ) ).
وأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( مرَّ بي عثمان وعندي ملك من الملائكة، فقال: شهيد يقتله قومه إنَّا نستحيي منه ) ).
وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الملائكة تستحيي من عثمان، كما تستحيي من الله ورسوله ) ).
ومناقبه كثيرة شهيرة، ومنها: ما ذكره في البزازية أنه قال لرجل وقد دخل، وقد كان كرر النظر في طريقه إلى أجنبية: لا يدخل علي أحدكم بعين زانية، فقال الرجل: أوحيًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: لا، ولكن فراسة صادقة. انتهى.
قال الكرماني: صارت الأموال في خلافته كثيرة، حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم.
(دَعَا بِإِنَاءٍ) : أي: طلبه، وكان ذلك الإناء فيه ماء بدليل رواية مسلم: (( دعا بوَضوء ) )بفتح الواو، وهو الماء المعَدُّ للوُضوء بالضم، كما في رواية شعيب الآتية في باب المضمضة، وبدليل قوله: (فَأَفْرَغَ) : أي: صَبَّ، يقال: فرغ الماء؛ أي: انصبَّ، وأفرغته: صببته.
(عَلَى كَفَّيْهِ) واحدة بعد واحدة، لا عليهما معًا، كما بينته رواية أخرى: (( أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ) ).
(ثَلاَثَ مراتٍ) كذا للأصيلي وكريمة بمثناة آخره، ولأبوي ذر والوقت: براء آخره، وفيه غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، وإن لم يكن عقب نوم احتياطًا (فَغَسَلَهُمَا) قبل إدخالهما الإناء (ثلاثًا) معًا بدون تفريق كمسح الأذنين (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ) للاغتراف بها منه.
قال في (( الفتح ) ): واستدل به بعضهم على عدم نية الاغتراف، ولا دليل فيه نفيًا ولا إثباتًا. انتهى.
(فَمَضْمَضَ) : أي: غسل فمه بإدخال الماء فيه، وللأصيلي: بمثناة فوقية بعد الفاء، وهو عطف على مقدر؛ أي: أخذ الماء من الإناء فمضمض (واستنثر) وفي رواية الكشميهني: بدل قوله: (( واستنثر ) )وثبتت الثلاثة في رواية شعيب الآتية في باب المضمضة، وليس في طريق هذا الحديث تقييد المضمضة والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما رواه أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان رضي الله عنه، فإن في أحدهما: (( فتمضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا ) )، وفي الآخر: (( ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا ) )كذا في العيني، واتفقت الروايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق.
(ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا) قال العيني: عطف بِثُمَّ؛ لأنها تقتضي الترتيب والمهلة. انتهى.
أقول: الظاهر: أن المهلة هنا غير مرادة؛ لأن الموالاة من سنن الوضوء، وهي أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول مع اعتدال الهواء والمزاج، ولا شك أن المضمضة
ج 1 ص 614
والاستنشاق من الوضوء؛ لأنهما من سننه.
فالظاهر: أن ثم هنا لمجرد الترتيب، وليس فيها مهلة، أو هي بمعنى الفاء كقوله: جرى في الأنابيب ثم اضطرب، وكذا في قوله: ثم مسح برأسه وما بعدها.
قال في (( الفتح ) ): وقد ذكروا أن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق اعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدمتا وهما مسنونتان على غسل الوجه، وهو مفروض احتياطًا للعبادة.
(وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاَثَ مِرَارٍ) برائين؛ أي: كل واحدة، كما بينه المصنف في رواية معمر عن الزهري في الصوم، وكذا لمسلم من طريق يونس، وفيهما تقديم اليمنى على اليسرى، والتعبير في كل منهما بثم، وكذا القول في الرجلين أيضًا، قاله في (( الفتح ) ).
(ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) : سقطت (( ثم ) )لغير الأربعة، وكذا الباء في روايتي مسلم، والمصنف في الصوم؛ فيفيد استيعاب المسح له بخلافه مع الباء.
قال في (( الفتح ) ): وليس في شيء من طرقه في (( الصحيحين ) )ذكر عدد للمسح، وبه قال أكثر العلماء.
وقال الشافعي: يستحب التثليث في المسح كما في الغسل، واستدل بظاهر رواية لمسلم: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا ) ).
وأجيب: بأنه مجمل تبين في الروايات الصحيحة: أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب، أو يخص بالمغسول.
قال أبو داود في (( السنن ) ): أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح؛ مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح؛ لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء.
وبالغ أبو عبيد فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استحب تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيمي.
وفيما قاله نظر؛ فقد نقله ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أنس وعطاء وغيرهما، وقد روى أبو داود من وجهين، وصحح أحدهما ابن خزيمة، وغيره في حديث عثمان: تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة. انتهى.
والحاصل: أنه لم يقل باستحباب تثليث مسح الرأس إلا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واختلفوا في القدر الممسوح وجوبًا فقال مالك وأحمد في المشهور عنه بـ (( الاستيعاب ) )، وقال أبو حنيفة: بوجوب غسل الناصية، أو ربع الرأس، واكتفى الشافعي بأدنى جزء من الرأس، والأدلة مبسوطة في كتب الأصول.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وهما العظمان المرتفعان عند آخر مفصل الساق والقدم، وهما داخلان في الغسل (ثُمَّ قَالَ) : أي: عثمان رضي الله عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) الإشارة إلى وضوئه ثلاثًا ثلاثًا، ونحو بمعنى مقارب لا مماثل.
فقد قال النووي: إنما لم يقل مثل؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره.
وأجيب: بأن المثلية ثبت التعبير بها في رواية للمصنف في الرقاق، ولفظها: (( من توضأ مثل هذا الوضوء ) )، ولمسلم: (( من توضأ مثل وضوئي هذا ) )، وللمصنف في الصيام من رواية معمر: (( من توضأ وضوئي هذا ) ).
قال في (( الفتح ) ): وعلى هذا؛ فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازًا، أو لأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرًا، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود. انتهى.
وقال العيني: كل واحدة من لفظة: نحو ومثل، من أدوات التشبيه والتشبيه لا عموم له، سواء قال: نحو وضوئي، أو: مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره النووي.
وقول بعضهم: فالتعبير بنحو من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازًا ليس بشيء؛ لأنه ثبت في اللغة مجيء نحو بمعنى مثل، يقال: هذا نحو ذلك؛ أي: مثله. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) )بقوله: قلت: كأن المعترض يعتقد أن المجاز ليس من اللغة، وإلا فما وجه اعتراضه؟ …انتهى.
أقول: لكن في قول صاحب (( الفتح ) )_: أن مثل تقتضي المساواة ظاهرًا _ توقف؛ لأن التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه به في ذلك لابد أن يكون أتم في وجه الشبه، فليتأمل.
(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) قال الكرماني: فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء، ويقوم الفرض والراتبة مقامهما (لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) قال الكرماني: معناه: أنه لا يحدث بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث، فأعرض عنه عفي عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي
ج 1 ص 615
لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر.
وقال القاضي عياض: يريد بحديث النفس؛ الحديث المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالبًا؛ فليس هو المراد، وفي لفظ: (( يحدث به نفسه ) )إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لإضافته إليه.
وقال بعضهم: هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، وتكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قلَّ مَن تَسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان، ومحافظته عليها، حتى لا يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد: دفعه مطلقًا.
ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث: (( لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا ) )، وهي في (( الزهد ) )لابن المبارك أيضًا، و (( المصنف ) )لابن أبي شيبة.
ومنها: ما يتعلق بالآخرة، فإن كان أجنبيًا؛ أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات تلك الصلاة؛ فلا. انتهى.
وفي العيني: قيل: ويحتمل أن يكون المراد به إخلاص العمل لله تعالى، ولا يكون لطلب الجاه والتسلي، وأن يراد ترك العجب بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها، بل ينبغي أن يحقر نفسه؛ كيلا تغتر فتتكبر.
ويقال: إن كان المراد به: أن لا يخطر بباله شيء من أمور الدنيا، فذلك صعب، وإن كان المراد به أنه بعد خطوره به لا يستمر عليه، فهو عمل المخلصين.
قلت: التحقيق فيه: أن حديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه، وما يسترسل عليها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره.
وقوله: (( يحدث ) )من باب التفعيل، وهو يقتضي التكسب من أحاديث النفس، ودفع هذا ممكن، وأما ما يهجم من الخطرات والوساوس؛ فإنه يتعذر دفعه؛ فيعفى عنه. انتهى.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ولابن عساكر: ، زاد ابن أبي شيبة: (( وما تأخر ) )، والمراد من ذلك: الصغائر لا الكبائر، كما صرح به في مسلم.
قال في (( الفتح ) ): ظاهره يعم الصغائر والكبائر، لكن العلماء خصُّوه بالصغائر؛ لوروده مقيدًا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، وهي في حق من له كبائر وصغائر، فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: الأقسام الثلاثة غير صحيحة، فإن الذي ليس له إلا صغائر، له كبائر أيضًا؛ لأن كل صغيرة تحتها صغيرة فهي كبيرة، والذي ليس له إلا كبائر، له صغائر وله كبائر. انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): وحكايته هذا الكلام تغني عن التشاغل برده.
(وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ) : أي: ابن سعد السابق أول الباب، وهو معطوف على قوله: (( حدثني إبراهيم بن سعد ) ).
قال في (( الفتح ) ): وزعم مغلطاي وغيره: أنه معلق، وليس كذلك؛ فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بالإسنادين معًا، وإذا كانا جميعًا عند يعقوب، فلا مانع أن يكونا عند الأويسي، ثم وجدت الحديث الثاني عند أبي عوانة في (( صحيحه ) )من حديث الأويسي المذكور؛ فصح ما قلته بحمد الله تعالى، وقد أوضحت ذلك في (( تعليق التعليق ) ). انتهى.
وتعقبه العيني فقال: لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن سعد موصولًا أن يكون كذلك عند البخاري، غاية ما في الباب: أنه يحتمل أن يكون معقبًا بحديث إبراهيم الأول، فيكون موصولًا، وبمجرد الاحتمال لا يتعين نفي كونه معلقًا، والحال: أن صورته صورة التعليق، وإليه أقرب، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة من حديث الأويسي أن يكون موصولًا عند البخاري؛ لاحتمال عدم السماع منه على ما لا يخفى، وأما مسلم فقد قال: (( حدثنا زهير، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ) )، فذكره. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) )بقوله: قلت: ظهور الرجحان في مثل هذا كافٍ، وهو موجود، ولم يدع القطع حتى يطالب بنفي الاحتمال. انتهى.
(قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف مرَّ ذكره في آخر قصة هرقل (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ)
ج 1 ص 616
هو ابن الزبير (عَنْ حُمْرَانَ) ابن أبان مولى عثمان، هذا استدراك من ابن شهاب، يعني: أن شيخيه عطاء وعروة اختلفا في روايتيهما عن حمران، فحدث به عطاء على صفة وقد تقدمت، وحدث به عروة على صفة وهي الآتية.
قال في (( الفتح ) ): وليس ذلك اختلافًا، وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معًا عن حمران: معاذ بن عبد الرحمن.
فأخرج البخاري من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه. انتهى.
(فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه هو معطوف على محذوف تقديره: عن حمران: أنه رأى عثمان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه إلى أن قال: (( ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فلما توضأ قال: ... الخ ) )، وفي بعض النسخ: (( عن حمران قال: فلما توضأ ) ).
(قَالَ: لأُحَدِّثنكم حَدِيثًا) جواب قسم محذوف، وفي نسخة: (لَوْلاَ آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ) خبر المبتدأ هنا محذوف وجوبًا؛ أي: موجودة، أو ثابتة في كتاب الله، وفي مسلم: (( لولا آية في كتاب الله تعالى ) ).
وقال عياض: آية بالمد وبالياء المثناة من تحت.
ورواه الباجي: (( لولا أنه ) )بالنون؛ أي: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله ما حدثتكم.
وفي (( المطالع ) ): قول عثمان رضي الله عنه: (( لولا أنه في كتاب الله ) )بالنون في رواية يحيى وجماعة معه، وكذا لابن ماهان في مسلم، وعند ابن مصعب وابن وهب وآخرين من رواية (( الموطأ ) ): (( لولا آية ) )، وهي رواية الجلودي في مسلم، وإنما كان مراد عثمان عدم التحديث به، لولا الآية الكريمة خشية أن يتكلوا.
(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ يَتَوَضَّأُ) وفي نسخة: [1] (رَجُلٌ قيُحْسِنُ وُضُوءَهُ) من الإحسان، ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًا بصفته، وأدائه، وتكميل سننه، وهو بالرفع عطف على قوله: (( لا يتوضأ ) ).
قال العيني: وكلمة الفاء هاهنا بمعنى ثم؛ لأن إحسان الوضوء ليس متأخرًا عن الوضوء، حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية، وإنما موقعها موقع ثم التي لبيان المرتبة، وشرفها دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة فيه من محافظة السنن، ومراعاة الآداب أفضل من آداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى رتبة من غير المحسن فيه. انتهى.
(وَيُصَلِّي الصَّلاَةَ) : أي: المكتوبة، وفي رواية لمسلم: (( فيصلي هذه الصلوات الخمس ) ) (إِلاَّ غُفِرَ لَهُ) : أي: لا يتوضأ رجل في حال من الأحوال، إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من أعم عَامِّ الأحوال، والغفران للصغائر على ما تقدم آنفًا، (مَا بَيْنَهُ) أي: الصغائر التي بين ما صلاَّه بالوضوء (وَبَيْنَ الصَّلاَةِ) التي تلي ما صلاه بالوضوء كما صرح به مسلم في رواية هشام بن عروة (حَتَّى يُصَلِّيَهَا) قال في (( المنحة ) ): أي: يفرغ منها ليشمل غفران صغيرة وقعت فيها، كنظرة محرمة، وتفسير شيخنا له بالشروع فيها مخالف لظاهر اللفظ.
ووافقه على ذلك العيني فقلت: قلت: هذا معنى فاسد؛ لأن قوله: (( ما بينه وبين الصلاة ) )يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة، وبين الفراغ منها، ولما كان المراد الفراغ منها؛ أشار إليه بقوله: (( حتى يصليها ) )، ولهذا لم يكتف بقوله: (( بين الصلاة ) )؛ لأنه لا يغني عن ذكر (( حتى يصليها ) )لما ذكرنا. انتهى.
ولم يتعرض لجوابه في (( الانتقاض ) )وحتى غاية فحصل المقدر العامل في الظرف لا للغفران، إذ لا غاية له، والتقدير: إلا غفر له الذنب الذي حصل بين الصلاتين، حتى يصلي الصلاة الثانية.
(قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا} ) وفي نسخة: (( {مِنَ الْبَيِّنَاتِ} ) )وفي نسخة: (( الآية ) )يعني الآية التي في البقرة إلى قوله: (( {اللَّاعِنُونَ} ) ) [البقرة:159] كما صرح به مسلم.
قال في (( الفتح ) ): ومراد عثمان رضي الله عنه أن هذه تحريض على التبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد تقدم نحو ذلك لأبي هريرة في كتاب العلم، وإنما كان يرى عثمان ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة، خشية عليهم من الاغترار، وقد روى مالك هذا الحديث في (( الموطأ ) )عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته، تعيين الآية فقال من قبل نفسه: أراه يريد: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] . انتهى.
وما ذكره عروة راوي الحديث بالجزم أولى. انتهى.
وفي الحديث من الفوائد: أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم؛
ج 1 ص 617
لأن الله تعالى قد توعد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة.
والآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، ولكن العبرة؛ لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فدخل فيها كل من علم علمًا تعبد الله العباد بمعرفته، ولزمه من تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه، وفيه: أن الإخلاص لله تعالى في العبادة، وترك الشغل بأسباب الدنيا يوجب الله عليه الغفران، ويتقبله من عبده، وفيه: أن ظاهر الحديث يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور وإحسانه، والصلاة.
وفي (( الصحيح ) )من حديث أبي هريرة: (( إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه ) )ففيه: أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء، حتى يفرغ من الوضوء نقيًا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم في حديث عثمان: (( وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة ) ).
ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الصلاة، والمراد بهذا وأمثاله: غفران الصغائر، كما مر فيما مضى، وإذا اجتمعت المكفرات، أو لم يكن للمكفر عنه صغائر يرجى أن يخفف عنه من الكبائر، فإن لم يكن له كبائر ولا صغائر يزاد في حسناته.
[1] في هامش المخطوط: بنون التأكيد الثقيلة. منه.