(106) (باب الْجَمْعِ) أي: حكمه (بَيْنَ السُّورَتَيْنِ) اللام فيهما للجنس فيوافق نسخة: سورتين بالتنكير (فِي الرَّكْعَةِ) الواحدة واللام هنا كذلك فيوافق رواية أبي ذر وابن عساكر: (وَالْقِرَاءَةِ) أي: جوازها (بِالْخَوَاتِيمِ) بمثناة فوقية فتحتية، ولأبي ذر والأصيلي: بحذفها والمراد بها أواخر السور (وَبِسُورَةٍ) بالموحدة، ولابن عساكر: بحذفها.
(قَبْلَ سُورَةٍ) أي: وجواز القراءة بسورة أخرى مضمومة للأولى واقعة في المصحف قبل السورة الأولى لكنه يكره تنزيهًا لما فيه من التنكيس في السور، وأما التنكيس في الآيات فإنه حرام وهذا أعم من أن يكون في ركعة أو ركعتين.
وقال مالك: لا بأس أن يقرأ في الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى وقراءة التي بعدها أحب إلينا.
وفي (( شرح الهداية ) )للحنفية: هو مكروه، قال: وعليه جمهور الفقهاء منهم أحمد وإنما لم يحرم التنكيس في السور؛ لأن ترتيبها كان باجتهاد الصحابة على الراجح بخلاف ترتيب الآيات فإنه من فعله صلى الله عليه وسلم بالاتفاق، قاله ابن الملقن.
(وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ) أي: وبالقراءة بأول، وقد اشتملت هذه الترجمة على أربع مسائل، وكلها تفهم مما ذكره المصنف من الحديثين والآثار إلا القراءة بالخواتيم، فإنها بالقياس على القراءة بالأوائل والجامع بينهما أن كلًا منهما بعض سورة (وَيُذْكَرُ) بالبناء للمفعول (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ) بموحدة في آخره، والسائب هو ابن أبي السائب بن صيفي بن عابد بموحدة فمهملة ابن عمر المخزومي قارئ مكة وبها مات.
وقال ابن الملقن: وله صحبة مات قبل ابن الزبير وأسلم عام الفتح، وكان شريك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (( نعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري ) ).
(قَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُؤْمِنُونَ) بالواو على الحكاية، ولأبي ذر: (( المؤمنين ) )، وللأصيلي: (( {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ) ) (فِي الصُّبْحِ) أي: في صلاتها وكان ذلك في فتح مكة كما في النسائي.
وقال الرافعي في (( شرح المسند ) ): قد يستدل به على أن سورة المؤمنين مكية، وهو قول الأكثر، قال: ولمن خالف أن يقول يحتمل أن قوله بمكة؛ أي: في الفتح أو في حجة الوداع. انتهى.
والمراد أنه شرع في قراءة هذه السورة لقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ) أي: قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ} [المؤمنون:45] (أَوْ ذِكْرُ عِيسَى) أي: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون:50] .
وقوله: جاء ذكر يصح أن يكون فاعلًا ويصح أن يكون مفعولًا؛ لأن جاء يستعمل لازمًا {حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا} [هود:40] ومتعديًا {وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ} [يوسف:16] وعلى كونه متعديًا يكون الفاعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم.
(أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ) بفتح السين المهملة كما في (( شرح مسلم ) )وقد تضم والعين فيهما ساكنة.
ولابن ماجه: (( فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة، أو قال: شهقة ) )وفي رواية: (( شرقة ) ).
(فَرَكَعَ) عطف على أخذته عطف مسبب على سبب، وفيه كما قال ابن الملقن جواز قطع القراءة والقراءة
ج 2 ص 598
ببعض السورة، ولا خلاف في جوازه ولا كراهة إن كان القطع لعذر، وكذا لغيره، لكنه خلاف الأولى، وهو قول أبي حنيفة والشافعي على الصحيح، وبه قال مالك في رواية والمشهور عنه الكراهة، وهو رواية عند الحنفية إذا كان لغير ضرورة، فلا يرد عليه حديث الباب فإنه لضرورة.
نعم: الكراهة لا تثبت إلا بدليل، وأدلة الجواز مطلقًا كثيرة غير هذا، وتقدم بعضها منها حديث زيد بن ثابت: (( أنه عليه الصلاة والسلام قرأ الأعراف في ركعتين ) ). ولا ضرورة.
ومنها: ما رواه الدارقطني بإسناد قوي عن ابن عباس: أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في ركعة، ومنها: ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر أنه أم الصحابة في الصبح بسورة البقرة قرأها في ركعتين، وهذا إجماع منهم.
ومنها: ما رواه ابن حزم محتجًا به من حديث محمد بن عبد السلام الخشني أنه قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، فكان الرجل منهم يصلي بنا فيقرأ الآيات من السورة، ثم يركع.
قال في (( الفتح ) ): وحديث عبد الله بن السائب هذا وصله مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي كلهم عن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة، واستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى شك محمد بن عباد أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع، وفي رواية: بحذف فركع. انتهى.
وقوله: ابن عمرو بن العاص وهو من بعض أصحاب ابن جريج، وقد رويناه في (( مصنف عبد الرزاق ) )عنه: فقال عبد الله بن عمرو بن القاري، وهو الصواب، واختلف في إسناده على ابن جريج فقال ابن عيينة عنه عن ابن مليكة عن عبد الله بن السائب أخرجه ابن ماجه.
وقال أبو عاصم عنه عن محمد بن عباد عن أبي سلمة بن سفيان، أو سفيان بن أبي سلمة، وكان البخاري علقه بصيغة، ويذكر لهذا الاختلاف مع أن إسناده مما تقوم به الحجة.
قال النووي: قوله ابن العاص غلط عند الحفاظ، وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المعروف، بل هو تابعي حجازي. انتهى.
وفي الحديث: أن السعال لا يقطع الصلاة إذا غلبه، وإن قطع القراءة لأجله أولى من الاستمرار في القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما يستحب فيه تطويلها.
(وَقَرَأَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه (فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى) أي: من الفجر (بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِي) هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة من طريق أبي رافع بلفظ: (( كان عمر يقرأ في الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل ) ). انتهى.
وإطلاقه محمول على ما في البخاري، فيطابق ما في الترجمة؛ لأن الجمع بين السورتين أعم من أن يكون بين سورتين كاملتين، أو بين سورة كاملة وبعض سورة أخرى، أو بين بعضين من سورتين.
قال في (( الفتح ) ): والمثاني قيل: ما لم يبلغ مائة آية، وقيل: ما عدا السبع الطوال إلى المفصل، قيل: سميت المثاني؛ لأنها ثنت السبع، وسميت الفاتحة السبع المثاني؛ لأنها تثنى في كل صلاة، وأما قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي} [الحجر:87] ، فالمراد بها سورة الفاتحة، وقيل: غير ذلك. انتهى.
وقال الجوهري: المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين، وتسمى الفاتحة مثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة ويسمى جميع القرآن مثاني أيضًا؛ لاقتران آية الرحمة بآية العذاب.
وقال الأزهري: سمي القرآن العظيم كله مثاني؛ لأن القصص والأمثال ثنيت فيه.
وذكر في (( المحكم ) )فيه أقوالًا منها أنه سور أولها: البقرة، وآخرها: براءة، ومثله في (( القاموس ) )لكنه أطال في نقل الأقوال.
وقال ابن رجب في (( المسند ) )عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: (( أعطيت مكان التوراة السبع الطوال وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفضلت بالمفصل ) ). انتهى.
وإنما قال: فضلت بالمفصل؛ لأنه لم يقع في مقابلته شيء من الكتب المنزلة على الأنبياء.
(وَقَرَأَ الأَحْنَفُ) بن قيس الكندي الذي يضرب به المثل في الحلم، والصحيح أنه ليس بصحابي، فإنه وإن كان رأى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كان ذلك قبل إسلامه، فما وقع في العيني وتبعه القسطلاني وشيخ الإسلام من أنه صحابي لا يتمشى على الصحيح.
(بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ) شك من الراوي (وَذَكَرَ) الأحنف
ج 2 ص 599
(أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ) بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الصُّبْحَ بِهِمَا) فاقتدى بعمر بالصلاة بهما وهذا الأثر وصله أبو نعيم في (( مستخرجه ) )من طريق عبد الله بن شقيق قال: صلى بنا الأحنف بن قيس الغداة فقرأ في الركعة الأولى بالكهف وفي الثانية بيونس، ولم يشك، وزعم أنه صلى خلف عمر كذلك ففيه المطابقة؛ لقوله في الترجمة: (( وبسورة قبل سورة ) ).
(وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ) في الركعة الأولى (وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ) وتقدم ما فيه من الخلاف، والأصح أنه من الحجرات إلى آخر القرآن، وأثر ابن مسعود هذا أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور بلفظ: (( فافتتح الأنفال حتى بلغ: {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78] ) ).
قال في (( الفتح ) ): وهذا الموضع هو رأس أربعين آية، فالروايتان متوافقتان، وتبين بهذا أنه قرأ بأربعين من أولها، فاندفع الاستدلال به على قراءة خاتمة السورة بخلاف الأثر عن عمر، فإنه محتمل.
قال ابن التين: إن لم تؤخذ القراءة بالخواتيم من أثر عمر أو ابن مسعود، وإلا فلم يأت البخاري بدليل على ذلك وفاته ما قدمناه من أنه مأخوذ بالإلحاق المؤيد بقول قتادة. انتهى. وهو هذا.
(وَقَالَ قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً) ولأبي ذر: (( بسورة واحدة ) ) (فِي رَكْعَتَيْنِ) وللأصيلي: (( في الركعتين ) ) (أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ) وهذا هو التكرير.
قال ابن المنير: والذي يظهر أنه أخف من قسم السورة في ركعتين، فإن مالكًا ذهب إلى أن المصلي يقرأ في كل ركعة بسورة كما قال ابن عمر: لكل سورة خطها، ولا يقسم السورة في ركعتين، ولا يقتصر على بعضها، ويترك الباقي ولا يقرأ سورة قبل سورة تحالف ترتيب المصحف.
قال: فإن فعل ذلك كله لم تفسد صلاته، بل هو خلاف الأولى، قال: وجميع ما استدل به البخاري لا يخالف ما قال مالك؛ لأنه محمول على بيان الجواز. انتهى.
(كُلٌّ) أي: كل ذلك في (كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى) فعلى أيٍّ وجه من الصورتين قرأ فلا حرج فيه؛ لأنه كلام الله، ويؤيد الصورة الأولى ما رواه النسائي من قراءته عليه الصلاة والسلام في المغرب بآل عمران فرقها في ركعتين ويؤيد الثانية حديث معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلًا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة:1] في الركعتين كليهما.
قال في (( الفتح ) ): وقتادة تابعي صغير يستدل لقوله ولا يستدل به وإنما أراد البخاري منه قوله كل كتاب الله فإنه يستنبط منه جواز جميع ما ذكر في الترجمة وأما قول قتادة في ترديد السورة فلم يذكره المصنف في الترجمة فقال ابن رشيد لعله لا يقول به لما روي فيه من الكراهة عن بعض العلماء.
قلت: وفيه نظر؛ لأنه لا يراعي هذا القدر إذا صح له الدليل ثم قال وعن أحمد والحنفية كراهة قراءة سورة قبل سورة تخالف ترتيب المصحف.
قال ابن المنير: والذي يظهر لي أن التكرير أخف من قسم السورة في ركعتين. انتهى.
وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة مرتبط بعضها ببعض فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة فإنه إن قطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة وإن قطع في وقف تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى وقد تقدم في الطهارة قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم فلم يقطع صلاته وقال: كنت في سورة فكرهت أن أقطعها وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. انتهى.
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) مصغرًا وهو المعروف بالعمري وهذا التعليق وصله الترمذي والبزار وقال الترمذي حسن صحيح غريب (عَنْ ثَابِتٍ) البناني (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذر والأصيلي كما في الفرع وأصله زيادة: (( ابن مالك ) ) (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) اسمه كُلثوم بضم الكاف ابن هِدْمٍ بكسر الهاء وسكون الدال المهملة.
وقيل: هو قتادة بن النعمان، وتعقب: بأن في قصة قتادة كان يرددها بالليل وليس بإمام، وقيل: هو كلثوم بن زهدم، وأيده بعضهم بأنه كان أمير سرية، وكلثوم مات في أوائل ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قبل أن تبعث السرايا.
وقال في (( الفتح ) ): أنهما قضيتان ويدل على تغايرهما أن الذي في رواية الباب كان يبدأ ب {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] وأمير السرية كان يختم بها، وفي هذا أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة الآخر، وفي هذا أنه قال أنه يحبها فبشره بالجنة، وفي أمير السرية قال: أنها صفة الرحمن فبشره بأن الله يحبه. انتهى ملخصًا.
(يَؤُمُّهُمْ) بتشديد الميم (فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ) بالواو، ولأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: (( فكان ) )
ج 2 ص 600
بالفاء (كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً) ولأبي ذر والأصيلي: (( بسورة ) )بموحدة (يَقْرَأُ) بالبناء للفاعل (بِهَا لَهُمْ) أي: لأهل قباء (فِي الصَّلاَةِ مِمَّا يَقْرَأُ) بالبناء للمفعول (بِهِ) ولابن عساكر: (( بها ) )بالتأنيث نظر لمعنى ما، والتذكير في الأولى نظر للفظها وهو الأرجح.
وقال الكرماني: مما يقرأ؛ أي: من الصلوات التي يقرأ القرآن فيها جهرًا.
(افْتَتَحَ) جواب كلما؛ أي: ابتدأ القراءة بعد الفاتحة (بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) أي: بقراءتها قبل قراءة غيرها فيقرأها (حَتَّى يَفْرُغَ) بضم الراء (مِنْهَا) أي: من قراءتها (ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً) ولأبي ذر: (( بسورة ) ) (أُخْرَى مَعَهَا) أي: مع {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} .
(وَكَانَ) ذلك الرجل (يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي: المذكور من الافتتاح بعد الفاتحة بالإخلاص ثم بسورة أخرى (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) أي: من الركعات التي شرع فيها ضم السورة للفاتحة.
قال في (( الفتح ) ): تمسك بهذا الحديث من قال: لا نشترط قراءة الفاتحة.
وأجيب: بأن الراوي لم يذكر الفاتحة استغناء بالعلم بأنه لا بد منها فيكون معناه افتتح بسورة بعد الفاتحة أو أن ذلك كان قبل ورود الدليل الدال على اشتراط الفاتحة. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا خلاف معنى التركيب ظاهرًا وأيضًا أهل مسجد قباء أنكروا على هذا الأنصاري في جمعه بين السورتين في ركعة واحدة الذي هو لم يكن يضر صلاتهم. انتهى.
أي: فكيف لا ينكرون جمعه بين ثلاث سور.
(فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ) بأن لا يفعل ذلك لأنه خلاف المعهود لهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالُوا) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت: (( وقالوا ) )بالواو (إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ) بضم أوله وبالهمز في آخره كما في الفرع وأصله، ويروى: (( لا تَجزئك ) )بفتح أوله من جزى معتل اللام والمعنى عليه يحتاج إلى تكلف.
(حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى) ولأبي ذر والأصيلي: (( بالأخرى ) )بالتعريف (فَإِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم لأحد الشيئين (أَنْ تَقْرَأُ بِهَا) ولغير أبي ذر: (( فإما تقرأ بها ) )بإسقاط أن (وإِمَّا) هي العاطفة على مدخول إما الأولى (أَنْ تَدَعُهَا) أي: تتركها (وتَقْرَأَ بِأُخْرَى) غيرها وتكتفي بها (فَقَالَ) الرجل (مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ) بموحدتين بعد الحاء المهملة الساكنة (أَنْ أَؤُمَّكُمْ) بتشديد الميم؛ أي: أصلي بكم.
(بِذَلِكَ) أي: بقراءتي إياها مع غيرها (فَعَلْتُ) ذلك (وَإِنْ كَرِهْتُمْ) ذلك مني (تَرَكْتُكُمْ) أي: تركت إمامتكم (وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ) وللأصيلي: (مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ) لأفضليته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أقامه إمامًا لهم.
(فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ) أي: خبره فاللام مثلها في {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:41] وخبره ملازمته للإخلاص وضم غيرها إليها.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَهُ) أي: للرجل الأنصاري (يَا فُلاَنُ) الظاهر أن هذه الكناية من الراوي وإلا فيبعد أن يناديه بالكناية مخاطبًا له بها مع معرفته اسمه (مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ) من قراءة سورة الإخلاص وحدها أو قراءة غيرها بدونها وسماه أمرًا؛ لأنه المقصود من التخيير فكأنهم قالوا له اقتصر على سورة الإخلاص أو على سورة غيرها فقط.
(وَمَا يَحْمِلُكَ) بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة؛ أي: وما الباعث لك (عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) يشرع فيها ضم السورة (فَقَالَ الرَّجُلُ) مجيبًا عن السؤال الثاني صريحًا وعن الأول التزامًا (إِنِّي أُحِبُّهَا) أي: ملازمتي لقراءتها في كل ركعة لمحبتي إياها.
قال في (( الفتح ) ): هو جواب عن الثاني مستلزم للأول بانضمام شيء آخر وهو إقامة السنة المعهودة في الصلاة.
(فَقَالَ صلى الله عليه وسلم حُبُّكَ إِيَّاهَا) من إضافة المصدر إلى فاعله وذكر المفعول وهو مبتدأ، وجملة: (أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) خبره؛ أي: سيدخلك وعبر بالماضي لتحقق الوقوع وذلك لأنها نسب الرحمن وجاء في الحديث: (( أنها تعدل ثلث القرآن ) )فحبها دليل محبته تعالى، وفيه جواز الجمع بين سورتين في ركعة واحدة وعليه الأئمة الأربعة وروي عن عثمان وابن عمر وحذيفة وغيرهم وفيه دليل على فضل سورة الإخلاص.