(2) (باب وُجُوبِ الصَّلاَةِ فِي الثِّيَابِ) جمع ثوب قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وإن كانت متحركة حملًا على المفرد وهو ثوب؛ لأن واوه ساكنة فهو معتل حكمًا؛ لأن السكون عندهم بمنزلة قلب حرف العلة إلى حرف أخف منه بجامع التخفيف، فصار ملحقًا بديار؛ لأنها أعلت حملًا على المفرد وهو دار؛ لأن
ج 2 ص 115
أصله دور فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
قال الكرماني وتبعه أكثر الشرّاح: ذكره بلفظ الجمع نحو قولهم: فلان يركب الخيول ويلبس البرود انتهى.
وأقول: إنما يحتاج إلى هذا التكلف لو كان المضاف إليه المحذوف الذي وقعت إلى عوضًا عنه مفردًا فيكون التقدير صلاة الرجل في الثياب، ولا يتعين ذلك بل يجوز أن يقدر صلاة الناس في الثياب فيكون من مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كقولك: ركب القوم دوابهم؛ أي: صلاة كل رجل في ثوبه، وهذا كثير فالحمل عليه أولى، وهذا من قبيل قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة:31] أي: أسماء مسميات كما ذهب إليه صاحب (( الكشاف ) ).
فإن قلت: لعل الكرماني لا يقول بقوله: قلت لنا مندرجة عما قاله بجعل الألف واللام في الصلاة للجنس، وهو يقع على القليل والكثير، فالحمل على الكثير ليصير التقدير الصلوات على الثياب أولى فليتأمل.
واعترض هذا التركيب بأن فيه قلبًا، وحق العبارة وجوب الثياب في الصلاة؛ أي: وجوب لبسها وستر العورة بها.
وأقول: لا ضرورة تدعو إلى ذلك، فإن التركيب صحيح من غير اعتبار قلب؛ أي: بات وجوب إيقاع الصلاة في الثياب فالمآل في التركيبين واحد، والمراد من ذلك ستر العورة.
وفي العيني: قال أبو الوليد بن رشد في (( القواعد ) ): اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا، فظاهر مذهب مالك أنه من سنن الصلاة مستدلًا بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته فقالت امرأة: غطوا عنا است قارئكم، وعند بعضهم شرط عند الذكر دون النسيان، وعند أبي حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث: أن ذلك شرط في صحة الصلاة فرضها ونفلها انتهى.
ومراده بعامة الفقهاء أكثرهم لا جميعهم بدليل ما تقدم عن مالك، ولا يشترط عند الحنفية سترها عن نفسه فلو كان محلول الجيب فنظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وقد اضطربت أقوال أصحاب مالك في ذلك فمن قائل: بأنه واجب، وشرط في الصلاة مع العلم والقدرة، ومن قائل: بأنه ليس من شروطها، ومن قائل: بأنه سنة كما تقدم، ومن قائل: بأنه فرض في نفسه وليس من فروض الصلاة.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجر، وللأصيلي: ( {خُذُوا زِينَتَكُمْ} ) أي: ثيابكم التي يحصل بها مواراة عوراتكم ( {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ) أي: صلاة ونحوها كالطواف، ففي الآية دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة، ففي الأول إطلاق اسم الحال على المحل، وفي الثاني بالعكس لوجود الاتصال بين الحال والمحل، وذلك لأن أخذ الزينة نفسها غير ممكن فأطلقت وأريد بها محلها وهو الثوب مجازًا، وسبب نزول الآية أنهم كانوا يطوفون عراة ويقولون لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها فنزلت.
قال العيني: لا يقال نزول الآية في الطواف فكيف يثبت بها الحكم في الصلاة؛ لأنا نقول العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهذا اللفظ عام؛ لأنه قال عند كل مسجد، ولم يقل عند المسجد الحرام فيعمل بعمومه، ويقال: خذوا زينتكم من قبيل إطلاق المسبب على السبب؛ لأن الثوب سبب الزينة ومحل لزينة الشخص، وقيل: الزينة ما يتزين به من ثوب وغيره كما في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور:31] والستر لا يجب لعين المسجد [1] بدليل جواز الطواف عريانًا، فعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته لم تجز صلاته، وإن لم يكن عنده أحد انتهى.
قيل: في الآية إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلبس أحسن ثيابه للصلاة، وقال البيضاوي: ومن السنة أن يأخذ الإنسان أحسن هيئته للصلاة، وقوله: (( ومن صلى ) )في محل جر عطفًا على سابقه ملتحفًا في ثوب واحد، وهذا ثابت للمستملي وحده، وسيأتي في باب مفرد لكن له تعلق هنا بحديث سلمة المعلق المذكور في قوله:
(وَيُذْكَرُ) بالبناء للمفعول (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) يستمسك بها؛ لئلا تبدو عورته، ويَزرُّه بفتح المثناة التحتية وتشديد الراء المضمومة؛ أي: يجمع بين طرفيه كيلا ترى عورته، وللأصيلي: بالمثناة الفوقية وفي رواية يزر بحذف الضمير الراجع إلى القميص، وقد وصل المصنف هذا التعليق في (( تاريخه ) )، وأبو داود وابنا خزيمة وحبان من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع: (( قلت: يا رسول الله إني رجل أتصيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم زره ولو بشوكة ) )هذا لفظ ابن حبان، وذكر المؤلف لهذا الحديث إشارة إلى أن المراد بأخذ الزينة في الآية لمس الثياب لا تحسينها.
(وَفِي) سقطت (( الواو ) )لغير الأربعة (إِسْنَادِهِ نَظَرٌ) .
قال العيني: وجه النظر من جهة موسى بن إبراهيم، وزعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو منكر الحديث، فلعل البخاري أراده فلذلك قال: في إسناده نظر، وذكره معلقًا بصيغة
ج 2 ص 116
التحريض، ولكن أخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم قال: (( سمعت سلمة ) )، وفي رواية: (( وليس علي إلا قميص واحد أو جبة واحدة فأزره؟ قال: نعم ولو بشوكة ) ).
ورواه ابن حبان أيضًا في (( صحيحه ) )عن إسحاق بن إبراهيم: ثنا ابن أبي عمر: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة، عن سلمة بن الأكوع: (( قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: فأزرره ولو بشوكة ) ).
ورواه الحاكم في (( مستدركه ) )وقال: هذا حديث مدني صحيح فظهر بهذه الرواية أن موسى هذا غير موسى ذاك الذي ظنه ابن القطان وفيه ضعف أيضًا، ولكنه دون ذاك انتهى.
وفي (( الفتح ) ): وأما قول ابن القطان أن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري وأبي حاتم وأبي داود، وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم؛ لأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردد، نعم وقع عند البخاري [2] موسى بن محمد بن إبراهيم فإن كان محظوظًا فيحتمل على بعد أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدراوردي وإلا فذكر محمد فيه شاذ انتهى.
وتعقبه العيني فقال: حكمه بشذوذه إن كان من جهة انفراد الطحاوي فليس بشيء؛ لأنه الشاذ من ثقة مقبول انتهى.
(وَمَنْ صَلَّى) أي: وباب جواز صلاة من صلى فهو من تتمة الترجمة، كما في الكرماني (فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ) فيه (أَذًى) أي: نجاسة، وللمستملي والحموي: بإسقاط .
قال العيني: وفي رواية إذا لم ير فيه دمًا، وهذا من البخاري إشارة إلى ما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان عن معاوية بن أبي سفيان: (( سأل أخته أم حبيبة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم ير فيه أذى ) ).
قال في (( الفتح ) ): وهذا من الأحاديث التي تضمنتها تراجم هذا الكتاب بغير صيغة رواية ولا تعليق انتهى.
(وَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) فيما رواه أبو هريرة في بعث علي في حجة أبي بكر مما وصله المؤلف قريبًا لكن بغير تصريح بالأمر (أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) الحرام (عُرْيَانٌ) وإذا منع التعري في الطواف، ففي الصلاة أولى إذ يشترط فيها ما يشترط فيه وزيادة.
قال العيني: هذا اقتباس من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد وصله البخاري في الباب الثامن بعد هذا الباب قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر تؤذن بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
وقال بعضهم: أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة، ولكنه ليس فيه التصريح بالأمر.
قلت: قد ذكرت لك أن هذا اقتباس، والاقتباس هاهنا اللغوي لا الاصطلاحي الذي هو أن يضمن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه، وهاهنا ليس كذلك بل المراد هاهنا أخذ شيء من الحديث، والاستدلال به على حكم كما كان يستدل به من الحديث المأخوذ منه، فحديث أبي هريرة المذكور يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة بالوجه الذي ذكرناه، وهو يتضمن أمر أبي بكر وأمر أبي بكر بذلك من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ البخاري من ذلك المتضمن صورة أمر فقال: (( وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطوف بالبيت عريان ) ).
واقتصر في الحديث على هذا لأنه هو الذي يطابق ترجمة الباب فافهم فإنه دقيق لم ينبه عليه أحد من الشراح انتهى.
[1] في هامش المخطوط: (( لعله الشخص ) ).
[2] في الهامش يوجد: (( والظاهر أنه الطحاوي ) ).