فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 1465

(1) (باب) يجوز فيه التنوين بالقطع عما بعده، ويجوز تركه بإضافته إلى (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ) : أي: ابتداؤه والأبحاث المتقدمة في باب كيف كان بدء الوحي تجري هنا أيضًا، فلا تغفل (وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) يجوز فيه الجر والرفع على ما تقدم في وقول الله عز وجل.

(هَذَا) : أي: الحيض (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ) : أي: قدره وقضاه (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قال العيني: هذا من تعليقات البخاري، ويذكره موصولًا عقب هذا، وسيذكره أيضًا في الباب السادس من جملة حديث، انتهى.

وإنما كتب عليهنَّ؛ لأنه من أصل خلقتهنَّ وفيه صلاحهن، وقد فسر قوله تعالى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90] برد الحيض إليها بعد عقرها ويأسها، فإنها برد الحيض إليها صلحت للولادة.

قال في (( الفتح ) ): وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( هذا شيء ) )يشير إلى حديث عائشة المذكور عقبه لكن بلفظ: (( هذا أمر ) ). انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا الكلام غير صحيح، بل قوله صلى الله عليه وسلم: (( هذا شيء ) )يشير به إلى الحيض فكذلك بلفظ: (( شيء ) )في الحديث الذي يأتي في الباب السادس، ولكنه بلفظ: (( فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم ) )، وعلى كل تقدير الإشارة بقوله: هذا، إلى الحيض، انتهى.

وأقول: ما تعقب به كلام صاحب (( الفتح ) )هو المتبادر، لكنه غير مراد.

وقد أجاب في (( الانتقاض ) )بما حاصله: أن الضمير في يشير، ليس راجعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل إلى البخاري يعني: أن البخاري أشار بهذا التعليق الذي ذكره هنا إلى حديث عائشة المذكور عقبه بدليل قوله: وقد وصله ... إلخ، ولم يرد الإشارة بلفظ: (( هذا ) )في كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنها للحيض قطعًا.

وقد صرح صاحب (( الفتح ) ): بذلك في آخر كلامه الواقع بعد نحو سطرين فقال: والإشارة بقوله: (( هذا ) )إلى الحيض. انتهى.

وكأن النسخة التي بنى العيني عليها الاعتراض خلت من ذلك، وإلا فلا وجه لاعتراضه أصلًا، والبنات حقيقة في الصلبيات، لكن المراد هنا ما هو أعم من ذلك عرفًا، وقد يقال: أن حوى تدخل في هذا العموم؛ لأنها خلقت من ضلع أدم.

وروى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس: إن ابتداء الحيض كان على حواء عليها السلام بعد أن أهبطت من الجنة، وقيل في سببه: أنها لما كسرت شجرة الحنطة التي أكلت منها كآدم أدمتها، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأدمينَّك كما أدميت هذه الشجرة.

ج 2 ص 3

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبد الله بن مسعود وعائشة، فقد وصل هذا التعليق بمعناه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود بلفظ: (( كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشرف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهنَّ المساجد ) )، وعنده أيضًا عن عائشة نحوه.

(كَانَ أَوَّلُ) بالرفع اسم (( كان ) ) (مَا) مصدرية (أُرْسِلَ) بالبناء للمفعول (الحَيْضُ) نائب فاعله (عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) خبر (( كان ) ).

قال الكرماني: فإن قلت: الحيض أرسل على بنات إسرائيل لا على بنيه قلت: يستعمل بنو إسرائيل ويراد به أولاده، كما يراد من بني آدم أولاده، أو يراد به القبيلة، انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا من حيث اللغة يمشي، ومن حيث العرف لا يذكر الابن، ويراد به الولد حتى لو أوصى بثلث ماله لابن زيد وله ابن وبنت لا تدخل البنت فيه، ودخول البنات في بني آدم بالتبعية، وقوله: أو المراد به القبيلة: ليس له وجه أصلًا؛ لأن القبيلة تجمع الكل فيدخل فيه الرجال أيضًا انتهى.

وأقول: الذي يظهر أن كلا الجوابين صحيح:

أما الأول: فلأن إطلاق بني مضافًا مراد به ما يشمل المؤنث شائع ذائع بطريق تغليب المذكر لشرفه على المؤنث لا توقف في صحته واقع في القرآن بكثرة، كما قال الله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة:40] {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [الدخان:30] إلى غير ذلك.

ولا نسلم أن ذلك بطريق التبع؛ لأنه إنما يكون حيث لا يصح شمول اللفظ له، وهنا شمول اللفظ للإناث بطريق التغليب صحيح لا وصمة فيه، ومن هنا تبين لك عدم صحة قياسه على مسألة ما لو أوصى لابن زيد.

وأما الثاني: فلأن إرساله على القبيلة التي هي مجموع بني إسرائيل لا يتوقف على عمومه لكل فرد منهم، بل يصح إذا كان واقعًا على البعض، كما قال تعالى فيهم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا} [المائدة:20] ومن المعلوم البين: أن الذين جعلهم الله ملوكًا بعض بني إسرائيل.

قال في (( الكشاف ) ): لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم، ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء انتهى.

وهذا في النسبة الإسنادية كثير كما تقول: بنو تميم قتلوا فلانًا، ويكون القاتل واحدًا منهم، ثم قال العيني: ويمكن أن يقال: أن المضاف فيه محذوف تقديره: على بنات بني إسرائيل، يشهد بذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( كتبه الله على بنات آدم ) )انتهى.

وهو احتمال صحيح، لكنه غير متغير السلوك فليتأمل.

(قال أبو عبد الله) : أي البخاري، وسقط لغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر لفظ: (( قال أبو عبد الله ) ) (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وهو قوله: (( إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ) ) (أَكْثَرُ) بالمثلثة؛ أي: أكثر فائدة وأشمل من قول ذلك البعض السابق؛ لأنه يتناول بنات بني إسرائيل وغيرهن من بنات آدم.

قال العيني: وكأنه أشار بهذا الكلام إلى وجه التوفيق بين الخبرين وهو: أن كلام الرسول أكثر قوة وقبولًا من كلام غيره من الصحابة.

وقال الكرماني: ويروى: (( أكبر ) )بالباء الموحدة ومعناه على هذا، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأجل وآكد ثبوتًا.

وقال الداودي: ليس بينهما مخالفة فإن متشابه بني إسرائيل من بنات آدم.

قال في (( الفتح ) ): فعلى هذا فقوله: (( بنات آدم ) )عام أريد به الخصوص انتهى.

وتعقب ذلك العيني فقال: ما أبعد كلام الداودي في التوفيق بينهما، نعم نحن ما ننكر أن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، ولكن الكلام في لفظ الأولية فيهما، ولا تنتفي المخالفة إلا بالتوفيق بين لفظي الأولية وأبعد من هذا قول هذا القائل عام أريد به الخصوص، فكيف يجوز تخصيص كلام النبي صلى الله عليه وسلم بكلام غيره، انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) )فقال: إنما قال ذلك تحسينًا للظن بالداودي أن له فيما ذكر مستندًا، فيكون من هذا الباب انتهى.

ورد في (( المصابيح ) )كلام الداودي بقوله: قلت: المخالفة ظاهرة فإن هذا القول يقتضي: أن غير نساء بني إسرائيل لم يرسل عليهن الحيض، والحديث ظاهر في أن جميع بنات آدم كتب عليهن الحيض إسرائيليات كن أو غيرهن.

نعم لو حمل حديث هذا القول على أن المراد بإرسال الحيض إرسال حكمة بمعنى: أن كون الحيض مانعًا ابتدئ به الإسرائيليات، وحمل الحديث على قضاء الله تعالى على بنات آدم بوجود الحيض كما هو الظاهر منه لم يكن، ثم مخالفة فتأمله انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول

ج 2 ص 4

مكثه بهن عقوبةً لهن لا ابتداء وجوده.

وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود:71] ؛ أي: حاضت والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا كلام من لا يذوق المعنى وكيف يقول لا ابتداء لوجوده والخبر فيه أول ما أرسل وبينه وبين كلامه منافاة، وأيضًا في أين ورد أن الحيض طال مكثه في بني إسرائيل ومن نقل هذا، ثم قال: ولقد حضرني جواب في التوفيق من الأنوار الإلهية وهو: أنه يمكن أن الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبة لهن ولأزواجهن لكثرة عنادهم، ومضت على ذلك مدة ثم إن الله تعالى رحمهم وأعاد حيض نسائهم؛ لأن من حكمة الله تعالى أنه جعل الحيض سببًا لوجود النسل، ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها لا تحمل عادةً، فلما أعاده عليهن كان ذلك أول الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع، فأطلق الأولية عليه بهذا الاعتبار؛ لأنها من الأمور النسبية انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) )فقال: يقال عليه، وفي أين ورد أن الحيض انقطع عن نساء بني إسرائيل مدة ثم عاد، ومن نقل هذا فأعجب مما يأتي به لا سيما مع قرب العهد فتأمل وأنصف انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت