فهرس الكتاب

الصفحة 1379 من 1465

(1) (باب فَرْضِ الْجُمُعَةِ) : أي: باب بيان افتراض صلاة الجمعة أو المراد بالجمعة صلاتها فلا حذف (لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْع} [الجمعة:9] ) كذا للأكثر، وأكمل بقية الآية أبو ذر وكريمة. قاله في (( الفتح ) ).

واستدلال المصنف بهذه الآية على فرضية الجمعة سبقه إليها الشافعي في (( الأم ) )، وكذا استدل بحديث أبي هريرة الآتي، ثم قال: والتنزيل والسنة يدلان على إيجابها.

قال: وعلم بالإجماع أن يوم الجمعة هو الذي بين الخميس والسبت.

وقال الشيخ: الموفق الأمر بالسعي يدل على الوجوب إذ لا يجب السعي إلا إلى واجب.

واختلف في وقت فرضها فالأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم أن فرضيتها بالآية المذكورة وهي مدنية.

وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة وهو غريب.

وقال الزين بن المنير: وجه الدلالة من الآية مشروعية النداء لها إذ الأذان من خواص الفرائض وكذا النهي عن البيع؛ لأنه لا ينهى عن المباح يعنى نهي تحريم إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها.

قال: وأما وجه الدلالة من الحديث فهو من التعبير بالفرض فإنه للإلزام وإن أطلق على غير الإلزام كالتقدير لكنه هنا متعين له لاشتماله على ذكر الصرف لأهل الكتاب

ج 2 ص 708

عن اختياره، وتعينه لهذه الأمة سواء كان ذلك وقع لهم بالتنصيص أم بالاجتهاد.

وفي سياق القصة إشعار بأن فرضيتها على الأعيان لا على الكفاية وهو من جهة إطلاق الفرضية ومن التعميم في قوله: فهدانا الله له والناس لنا فيه تبع انتهى.

وإذا في {إِذَا نُودِي} ظرفية مضمنة معنى الشرط والعامل فيها شرطها عند المحققين والمشهور على ألسنة المعربين أن العامل فيها جوابها، والمراد بالنداء في الآية الأذان عند جلوس الخطيب على المنبر.

قال العيني: ويدل لذلك ما روى الزهري عن السائب بن يزيد: (( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد لم يكن له مؤذن غيره وكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن على المسجد فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر كذلك وعمر كذلك فلما كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانًا فأمر بالتأذين الأول على دار له بالسوق يقال لها الزوراء فكان يؤذن له عليها، فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة فلم يعب ذلك عليه ) ).

وقوله: {مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة:9] بيان لإذا، وقيل: من بمعنى في كقوله تعالى: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} [فاطر:40] ؛ أي: في الأرض، وقوله: {إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة:9] ؛ أي: إلى الصلاة.

وعن سعيد بن المسيب {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة:9] موعظة الإمام، وقيل: إلى ذكر الله إلى الخطبة والصلاة.

وقوله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] ؛ أي: اتركوا البيع والشراء؛ لأن البيع يتناول المعنيين جمعيًا وإنما يحرم البيع عند الأذان الثاني، وقال الزهري: عند خروج الإمام.

وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء وقيل: أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا.

وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم.

إذا ارتفع النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة وحينئذ يتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل لهم: بادروا إلى تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه مقارب، كذا في العيني.

( {ذَلِكُمْ} ) الكاف فيه حرف خطاب كالتاء في: أنت، وذلك للدلالة على أحول المخاطبين وعددهم فإذا أشرت إلى واحد مذكر وخاطبت مثله قلت: ذلك وإن خاطبت اثنين قلت: ذلكما وإن خاطبت جمعًا قلت: ذلكم، وإذا خاطبت إناثًا قلت: ذلكن.

وقوله: ( {خَيْرٌ لَكُمْ} ) : أي: أفضل لكم وأربح من المعاملة فإن نفع الآخرة خير وأبقى ( {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ) الخير والشر الحقيقيين أو هو منزل منزلة اللازم؛ أي: إن كنتم من أهل العلم.

قال المصنف في تفسير السعي: {فَاسْعَوْا} فامضوا.

قال العيني: هذا في رواية أبي ذر عن الحموي وحده، وهو تفسير للمراد بالسعي هنا بخلاف قوله في الحديث الآخر: فلا تأتوها تسعون، فإن المراد به الجري.

وفي (( تفسير النسفي ) ): {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة:9] فامضوا إليه واعملوا له.

وعن ابن عمر: (( سمعت عمر يقرأ فامضوا إلى ذكر الله، وعنه ما سمعت عمر يقرأها قط إلا فامضوا إلى ذكر الله ويقول: لو قرأتها: {فَاسْعَوْا} لسعيت حتى يسقط ردائي وهي قراءة أبي العالية.

وعن الحسن: ليس السعي بالأقدام ولقد نهوا أن يأتوا المسجد إلا وعليهم الوقار والسكينة، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.

وعن قتادة: أنه كان يقول في هذه الآية {فَاسْعَوْا} ؛ أي: تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها.

وقال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل فإن الله تعالى يقول: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل:4] وقال تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم:39] وقال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة:205] .

وقال العيني: بعد أن ذكر أن دليل فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع، لكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت، فقال الشافعي في (( الجديد ) )وزفر ومالك وأحمد ومحمد في رواية فرض الوقت: الجمعة والظهر بدل عنها.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في (( القديم ) ): الفرض هو الظهر وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة.

وقال محمد في رواية فرضه أحدهما غير عين والتعيين إليه وفائدة الخلاف تظهر في حر مقيم أدى الظهر في أول وقته يجوز مطلقًا حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج لم يبطل فرضه.

لكن عند أبي حنيفة: يبطل فرضه بمجرد السعي مطلقًا وعندهما لا يبطل إلا إذا أدرك الجمعة، وعند الشافعي ومن معه لا يجوز ظهره

ج 2 ص 709

سواء أدرك الجمعة أو لا خرج إليها أو لا.

وقد يتوهم من حكم الحنفية بصحة ظهر من لزمته الجمعة عندهم ليست بفرض ولو كانت فرضًا لما صحت ظهره.

والجواب أن حكمهم بصحة الظهر ليس على النيات بل هو موقوف فإن صلى الجمعة فسدت فرضية فرضه وانقلب نفلًا.

وإن لم يدرك الجمعة صح فرضه سواء قلنا إن الجمعة بدل الظهر أو بالعكس.

قال الشرنبلالي في (( شرح نور الإيضاح ) )بعد ما بسط الكلام في ذلك: وإنما أكثرنا في الاستدلال لما سمع عن بعض الجهلة أنهم ينسبون إلى مذهب الحنفية عدم افتراضها ومنشأ غلطهم ما ذكره القدوري بقوله: ومن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله ولا عذر له كره له ذلك وجازت صلاته، وإنما أراد حرم عليه وصحت الظهر فالحرمة لترك الفرض الذي هو الجمعة وصحت الظهر لوجود وقت أصل الفرض ولكنه موقوف فإذا سعى إلى الجمعة بطل ظهره انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت