فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 1465

وبالسند قال:

876 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بموحدة في آخره، هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي فنون عبد الله بن ذكوان.

(أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء؛ أي: زمانًا لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم وأمته خاتمة الأمم (السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .

قال في (( التنقيح ) ): أي: منزلة أو السابقون يوم القيامة في القضاء لهم قبل الخلائق أو في دخول الجنة انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): المراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة.

وقيل: المراد بالسبق هنا إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة وهو وإن كان مسبوقًا بسبت قبله أو أحد لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا.

وقيل: المراد بالسبق السبق إلى: القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا: سمعنا وعصينا والأول أقوى انتهى.

وقال ابن الملقن: نحن الآخرون ونحن السابقون بالعطف وله فائدتان:

الأولى: ما في إعادة ضمير المتكلم الذي يضاف الخبر إليه من الفائدة بقرن السمع به في كل خصلة.

الثانية: تبيين أن السبق لهم دون غيرهم كأن قائلًا قال: نحن الآخرون فماذا لكم بذلك إذا ثبت لكم التأخر وتركتم التقدم ونحن السابقون.

(بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) زاد في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان شيخ المصنف فيما رواه الطبراني في (( مسند الشاميين ) )وأوتيناه من بعدهم؛ أي: أوتينا القرآن من بعدهم.

وبيد: بفتح الموحدة، ويقال فيها: ميد بالميم وبسكون التحتية والدال المهملة اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتها بمعنى غير لكن لا تقع مرفوعة ولا مجرورة بل منصوبة يستثنى بها استثناءً منقطعًا غالبًا.

وفي (( مسند الشافعي ) ): بائد أنهم بألف بعد الموحدة فهمزة، وقال أبو عبيد: لفظة بيد تكون بمعنى غير وبمعنى على وبمعنى من أجل وكله صحيح هاهنا.

ونقل الدماميني في (( شرح المغني ) )عن ابن مالك أنه قال: والمختار عندي في بيد أن يجعل حرف استثناء بمعنى إلا ويكون التقدير عندي إلا أن كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا على معنى لكن.

وقال القرطبي: نصبه على الاستثناء ويمكن على ظرف الزمان.

وقال ابن الملقن: روي بائد أنا أوتينا؛ أي: بقوة أنا أعطينا حكاها صاحب مجمع الغرائب.

قال أبو عبيد: وهي غلط ليس له معنى يعرف وكذا قال في الواعي وابن الأثير لا أعرفها لغة ولا في كتاب ولا أعرف وزنها وهل الباء زائدة أم أصلية انتهى.

وأقول: قد يتوهم أنها التي تقدم أنها في مسند الشافعي وليس كذلك وإن كان رسم الخط واحدًا لأن وزن التي في مسند الشافعي: بائد كقائم وهي لغة في بيد، وأما التي حكاها صاحب مجمع الغرائب فهي: أيد على زنة بيد بمعنى القوة كما قال تعالى: {ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:17] والباء حرف جر.

ويحتمل أن تكون لغة في بيد ولكن يحتاج إلى نقل لأن اللغة لا تثبت بالقياس.

وقال في (( الفتح ) ): روى الربيع عن الشافعي أن معنى بيد بمعانيها الثلاثة من أجل واستبعده عياض ولا بعد فيه بل معناه أنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقرئ عن أبي هريرة بلفظ:

ج 2 ص 710

(( نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) ).

وانتصر العيني لعياض فقال: استبعاد عياض موجه ونفي هذا القائل البعد بعيد لفساد المعنى لأن بيد إذا كان بمعنى من أجل يكون المعنى نحن السابقون لأجل أنهم أوتوا الكتاب وهذا ظاهر الفساد على ما لا يخفى.

ثم أكد هذا القائل كلامه بقوله: ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقرئ من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: (( نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) ).

قلت: هذا لا يصلح أن يكون شاهدًا لما ادعاه؛ لأن قوله: لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا تعليل لقوله: نحن الآخرون في الدنيا انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) )فقال بعد قول العيني: وهذا ظاهر الفساد على ما لا يخفى، قلت: نعم لو انتهى الخبر إلى هنا، وأما إذا انتهى إلى آخره فلا فساد لكن وكم من عائب قولًا صحيحًا انتهى.

وقال الداود: هي بمعنى على غير، أو مع، فإن كانت بمعنى غير فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى: مع فنصب على الظرف.

وقال الطيبي: هي للاستثناء وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى نحن السابقون للفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا.

ووجه التأكيد ما أدمج فيه من معنى النسخ؛ لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان متأخرًا في الوجود وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: نحن الآخرون مع كونه أمرًا واضحًا انتهى ملخصًا.

والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل وأفرد الكتاب؛ لأن المراد به الجنس.

واختلف في كيفية ما وقع لليهود هل أمروا بيوم معين وهو الجمعة، أو بيوم غير معين على قولين ويؤيد الأول وهو الظاهر كما قال القاضي

قوله: (ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ) وإنما عينت اليهود السبت قالوا: لأن الله فرغ فيه من الخلق فنحن نستريح فيه من العمل ونشتغل فيه بالشكر.

وعينت النصارى الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ الخلق فيه وقد عينه الله تعالى لهذه الأمة ولم يكلهم إلى اجتهادهم فضلًا منه ونعمة فهو خير يوم طلعت فيه الشمس، وفيه ساعة لا يوافقها دعوة داع إلا استجيب له.

ويؤيد الآخر وهو ما جزم به ابن بطال قوله: ثم هذا؛ أي: يوم الجمعة يومهم الذي فرض عليهم بالبناء للمفعول للأكثر، ورواه الحموي بالبناء للفاعل وإثبات الجلالة والمراد بفرضه عليهم فرض تعظميه؛ أي: فرض عليهم وعلينا تعظميه بدليل قوله الآتي: فهدانا الله له.

قال في (( الفتح ) ): وأشير إليه بهذا لكونه ذكر في أول الكلام كما في مسلم عن حذيفة وعن أبي هريرة من طريق آخر انتهى.

أقول: ولفظ حديث مسلم أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد كذلك هم فيه لنا تبع يوم القيمة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيمة المقضي لهم قبل الخلائق.

(فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) : أي: هل يلزم بعينه أو يسوغ لهم إبداله بغيره من الأيام فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا.

وقال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن وإنما يريد والله أعلم أنه فرض عليهم يوم من الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام هو ولم يهتدوا ليوم الجمعة.

ومال عياض إلى هذا وأيده بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل فخالفوا بدل فاختلفوا.

وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا فاختلفوا هل يلزم تعيينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا.

وقال ابن الملقن: قد جاء أن موسى عليه الصلاة والسلام أمرهم بالجمعة وأعلمهم بفضلها فناظروه أن السبت أفضل فقيل له: دعهم.

وروى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا ولفظه: (( إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئًا فاجعله لنا فجعل عليهم ) ).

وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [البقرة:58] وغير ذلك كيف لا يكون ذلك وهم القائلون: سمعنا وعصينا.

(فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) قال العيني: يحتمل وجهين:

أحدها: أن يكون الله قد نص لنا عليه.

والثاني: أن تكون الهداية إليه بالاجتهاد يدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين وقد ذكرناه في كتاب الجمعة فإن فيه أن أهل المدينة قد جمعوا قبل أن

ج 2 ص 711

يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال العيني: فإن قلت: هذا مرسل قلت: له شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث كعب بن مالك قال: (( كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة ) )انتهى.

قال الداودي: في هداية الله لنا لهذا اليوم أنزلت {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ [1] لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:213] .

وروي نحوه عن زيد بن أسلم قال: (( اختلفوا فيه وفي القبلة والصلاة والصيام وفي إبراهيم وعيسى فهدى الله هذه الأمة للحق من ذلك بإذنه ) )؛ أي: بعلمه انتهى.

(فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ) : أي: في يوم الجمعة (تَبَعٌ) بفتحتين جمع تابع كخدم وخادم، ولأبي ذر: إسقاط (( فيه ) ) (الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) قال في (( الفتح ) ): في رواية أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عند ابن خزيمة فهو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد والمعنى أنه لنا بهداية الله تعالى ولهم باعتبار اختيارهم وخطائهم في اجتهادهم.

قال القرطبي: غدًا هنا منصوب على الظرف وهو متعلق بمحذوف تقديره: اليهود يعظمون غدًا وكذا قوله: بعد غد ولا بد من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الجثة انتهى.

كذا نقله في (( الفتح ) )ساكتًا عليه وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه جزم بكونه ظرفًا ثم قدر له عاملًا خاصًا أخرجه عن الظرفية لأن المراد أنهم يعظمون نفس اليوم لا أنهم يعظمون شيئًا في اليوم فليتأمل.

ثم قال في (( الفتح ) ): وقال ابن مالك الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني كقولك غدًا التأهب وبعد غد الرحيل فيقدر هنا مضافان يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما؛ أي: تعييد اليهود غدًا وتعييد النصارى بعد غد انتهى.

وسبقه إلى نحو ذلك عياض وهو أوجه من كلام القرطبي انتهى.

وفي (( شرح الهمزية ) )لابن حجر المكي ادخر الله تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة المؤذن بغاية الوصل إذ مقام الجمعية هو مقام الوصل الذي هو أكمل المقامات وأفضلها، وجعل لليهود السبت المؤذن بقطيعتهم وحرمانهم، وللنصارى الأحد المؤذن بوحدتهم وتفردهم عن مواطن الخيرات والسعادات فكان فيما خصت به كل أمة من الأيام دليلًا على أحوالها وما يؤول أمرها.

قال في (( الفتح ) ): وفي الحديث كما قال النووي وغيره دليل على فرضية الجمعة لقوله: فرض عليهم فهدانا الله له فإن التقدير فرض عليهم وعلينا فضلوا وهدينا.

وفي مسلم بلفظ: (( كتب علينا ) ).

وفيه أن الهداية والإضلال من الله تعالى وهو مذهب أهل السنة وأن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة وأن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل وأن القياس مع وجود النص فاسد وأن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز وأن الجمعة أول الأسبوع شرعًا ويدل على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سبتًا كما بينا في الاستسقاء وأنهم مجاورين لليهود فتبعوهم في ذلك انتهى. وليتأمل.

قوله: الجمعة أول الأسبوع فإن المشهور أن الأحد أول الأسبوع؛ لأن الله تعالى ابتدأ الخلق فيه لما تقدم أن اليهود قالوا في يوم السبت: إن الله فرغ فيه من الخلق فنحن نستريح فيه من العمل ونشتغل بالشكر وكون السموات والأرض وما بينهما مخلوقة في ستة أيام مما شبهه فيه.

فإذا كان يوم الجمعة انتهاء السنة كان يوم السبت انتهاء الأسبوع فيلزم أن يكون الأحد أوله فليتأمل قال [2] ابن المنير.

[1] (( آمنوا ) ): ليست في الأصل.

[2] لعل الصواب (( قاله ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت