قال العيني: وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الأبواب التي قبله هو أن المذكور في الأبواب الماضية أمور الإيمان والكفر ضده والمناسبة بينهما من جهة التضاد. انتهى.
وفيه: أن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض وفي كون الكفر والإيمان كذلك توقف، والظاهر أن بينهما تقابل العدم والملكة؛ لأن الإيمان هو التصديق بجميع ما علم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به والكفر عدم ذلك التصديق اللهم إلا أن يجعل الكفر هو الإتيان بما ينافي ذلك التصديق فيكون وجوديًا على أن أرباب اللغة كثيرًا ما يتسامحون في إطلاق الضدين على الأمرين الذين بينهما تقابل العدم والملكة ولا يلتفتون إلى تدقيقات الحكماء واصطلاحاتهم فليتأمل.
والكفر والكفران في اللغة الستر والتغطية ومنه الكافر للزارع؛ لأنه يستر البذر ولكن غلب في الاستعمال إطلاق الكفر في الدين والكفران في النعمة.
قال القسطلاني: والكفران من الكَفر بالفتح، وهو الستر، ومن ثم سمي ضد الإيمان كفرًا؛ لأنه ستر على الحق وهو التوحيد، وأطلق أيضًا على جحد النعم، لكن الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النعم كفرانًا. انتهى.
وقال العيني: والكفران مصدر كالكفر، والفرق بينهما: أن الكفر في الدين، والكفران في النعمة.
وفي (( العباب ) ): الكفر نقيض الإيمان، وقد كفر بالله كفرًا، والكفر أيضًا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقد كفرها كفورًا وكفرانًا، وأصل الكفر: التغطية وقد كفرت الشيء أكفره بالكسر كفرًا بالفتح؛ أي: سترته وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره ومنه الكافر؛ لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله ويقال للزارع الكافر؛ لأنه يغطي البذر تحت التراب ورماد مكفور إذا سفت الريح التراب عليه وغطته. انتهى.
وفي (( الفتح ) ): عن أبي بكر بن العربي مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانًا كذلك المعاصي تسمى كفرًا لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج عن الملة. انتهى.
والعشير فعيل بمعنى المعاشر كالأكيل بمعنى المؤاكل من المعاشرة وهي المخالطة، وقيل: الملازمة قالوا: والمراد به هنا الزوج يطلق على الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه وحمله البعض على العموم كذا في العيني.
وفي (( الفتح ) ): عن أبي بكر بن العربي: وخص كفران العشير من أنواع الذنوب لدقيقة بديعة وهي قوله صلى الله عليه وسلم (( لو أمرت أحدًا بالسجود لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) )فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله سبحانه وتعالى فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله تعالى فلذلك أطلق عليها الكفر لكنه كفر لا يخرج عن الملة ويؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لأمور الإيمان وذلك أن الكفر ضد الإيمان. انتهى.
وقد أطلق على الكفر أنه ضد الإيمان كما تقدم عن العيني.
(وَكُفْرٍ دون كُفْرٍ) كذا للأربعة؛ أي: أقرب من كفر والمراد كفر المعاصي لا الكفر المخرج عن الملة فأخذ أموال الناس بالباطل مثلًا دون قتل النفس بغير حق، وفي بعض الأصول وكفر بعد كفر ومعناه كالأول وهو الذي في فرع اليونينية كهي لكن ضبب عليه وأثبت على الهامش الأول راقمًا عليه علامة أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأصل السمياطي والجمهور على جر كفر عطفًا على كفران المجرور ولأبوي ذر والوقت: بالرفع على القطع كذا في القسطلاني.
أقول: وفيه نظر؛ لأن القطع لا يجري في العطف، وقيل: بالعطف على باب وفيه نظر أيضًا؛ لأنه يصير على هذا التقدير هذا باب كفران العشير وهذا كفر دون كفر ولا معنى له مع أنه يكون خارجًا عن الترجمة فالظاهر أن كفر مبتدأ والظرف خبره وسوغ الابتداء بكفر قصد الجنس
ج 1 ص 268
كقولهم تمرة خير من جرادة وباب مضاف إلى الجملة بواسطة حرف العطف فليتأمل.
وفي (( المصابيح ) ): قال ابن المنير هذه الترجمة ونحوها تشتمل على مقصودين أحدهما أن المعاصي لا توجب تخليد العصاة في النار ولا إلحاقهم بالكفار، والثاني وهو أهمهما أن الكفر يتبعض كما يتبعض الإيمان، ومقصود البخاري أن يدلي بصحة مذهبه في أن الإيمان يتبعض ويلزم مثله في الكفر وإن كنا لا نجيز أن نطلق على العاصي كافرًا إلا كفرًا مقيدًا كقوله يكفرن العشير ويجوز أن يطلق الإيمان على بعضه من غير تقييد وسيأتي الفرق. انتهى [1] .
قال العيني: والكفر المطلق هو الكفر بالله وما دون ذلك يقرب منه، وتحقيقه ما قاله الأزهري الكفر بالله أنواع إنكار وجحود وعناد ونفاق، وهذه الأربعة من لقي الله بواحد منها لم يغفر له:
فالأول: أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة:6] الآية؛ أي: الذين كفروا بالتوحيد وأنكروا معرفته.
والثاني: أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه وهذا ككفر إبليس وبلعام وأمية بن أبي الصلت.
والثالث: أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد ككفر أبي طالب.
والرابع: أن يقر بلسانه ويكفر بقلبه ككفر المنافقين.
قال: ويكون الكفر بمعنى البراءة كقوله تعالى حكاية عن الشيطان: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} [إبراهيم:22] ؛ أي: تبرأت.
قال: وأما الكفر الذي هو دون ما ذكرنا فكالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه ويعتقد ذلك بقلبه لكنه يرتكب الكبائر من القتل والسعي في الأرض بالفساد ومنازعة الأمر أهله وشق عصا المسلمين ونحو ذلك. انتهى.
وفي العيني أيضًا: قال بعض الشارحين: أردف البخاري هذا الباب بالذي قبله لينبه على أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار؛ لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله فأجابهم عليه الصلاة والسلام بأنه أراد كفرهن حق أزواجهن وذلك لا محالة نقص من إيمانهن؛ لأنه يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر فظهر بهذا أن الأعمال من الإيمان وأنه قول وعمل. انتهى.
(فِيهِ) أي: يدخل في هذا الباب حديث رواه (أَبِي سَعِيدٍ) كذا قدر صاحب (( الفتح ) )والعيني وفيه تكلف؛ لأنه فيه حذف صفة وموصوفها وحذف عامل الفاعل فالأولى أن يقدر فيه حديث أبي سعيد، إذ ليس فيه إلا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ولا شبهة في كثرته واطراده ولكريمة فيه عن أبي سعيد ولأبي الوقت زيادة: وأبو سعيد هو سعد بن مالك أحد المكثرين على خلاف فيه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) .
قال في (( الفتح ) ): وفائدة هذا الإشارة إلى أن للحديث طريقًا غير الطريق المساقة، وحديث أبي سعيد أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام للنساء: (( تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ) )الحديث.
ويحتمل أن يريد بذلك حديث أبي سعيد (( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) )قاله القاضي أبو بكر المذكور، والأول أظهر وأجرى على مألوف المصنف، ويعضده إيراده حديث ابن عباس بلفظ: (( ويكفرن العشير ) )والعشير: الزوج.
وحديث ابن عباس المذكور طرف من حديث طويل أورده المصنف في باب صلاة الكسوف بهذا الإسناد تامًا وسيأتي الكلام عليه، ثم وننبه هنا على فائدتين:
إحداهما: أن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله، ولا بما بعده تعلقًا يفضي إلى فساد المعنى، فصنيعه لذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لاسيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء التام كما وقع في هذا الحديث، فإن أوله هنا قوله عليه الصلاة والسلام: (( أريت النار ... إلخ ) )ما ذكر منه وأول التام عن ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قضية صلاة الكسوف، ثم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها القدر المذكور هنا، فمن أراد عد الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته
ج 1 ص 269
من غير تكرار أربعة آلاف أو نحوها كابن الصلاح والشيخ محيي الدين النووي ومن بعدهما، وليس الأمر كذلك، بل عدته على التحرير أَلْفَا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثًا كما بينت ذلك مفصلًا في مقدمة الشرح.
الفائدة الثانية: تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث إلا لفائدة لكن تارة تكون في المتن وتارة في الإسناد وتارة فيهما، وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقًا.
وإن قلت: اختصر المتن أو الإسناد وقد صنع ذلك في هذا الحديث فإنه أورده هنا عن عبد الله بن مسلمة وهو القعنبي مختصرًا مقتصرًا على مقصود الترجمة كما تقدمت الإشارة إليه من أن الكفر يطلق على بعض المعاصي، ثم أورده في الصلاة في باب من يصلي وقدامه نار بهذا الإسناد بعينه، لكنه لما لم يغاير اقتصر على مقصود الترجمة منه ثم أورده في صلاة الكسوف بهذا الإسناد فساقه تامًا ثم أورده في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القعنبي عن مالك مقتصرًا على موضع الحاجة ثم أورده في عِشرَة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضًا وعلى هذه الطريقة يحمل جميع تصرفه فلا يوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعدًا إلا نادرًا. انتهى.
وإنما نقلته على طوله؛ لكثرة الاحتياج إليه في هذا الكتاب.
[1] في هامش الأصل: (( الفرق الذي أشار إليه سيأتي قريبًا عن ابن المنير وهو أن إطلاق الكفر على الإيمان إنما منعه الله تعالى فضلًا منه لأن رحمته سبقت غضبه فوسع باب الرحمة وفسح في إطلاق الطاعات على الإيمان ولم يفسح في باب الغضب فلم يأذن في إطلاق الكفر على المعاصي وإن كانت شعبًا له علامات له ويخشى منها التذرع إليه انتهى ) ).