فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 1465

(24)(باب عَلاَمَات الْمُنَافِقِ)قال في(( الفتح )): لما قدم أن مراتب الكفر والظلم متفاوتة أتبعه بأن النفاق كذلك. انتهى.

وقال العيني: وجه المناسبة بين البابين: أن الباب الأول مترجم على أن الظلم في ذاته مختلف، وله أنواع، وهذا الباب مشتمل على بيان أنواع النفاق وأيضًا فالنفاق نوع من أنواع الظلم ولما قال في الباب الأول ظلم دون ظلم عقبه ببيان نوع منه.

وقول الكرماني: وأما مناسبة هذا الباب

ج 1 ص 281

لكتاب الإيمان: أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان، إذ يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض ليس بمناسب، بل المناسب ذكر المناسبة بين كل بابين متواليين فذكر المناسبة بين بابين بينهما أبواب غير مناسب.

وقال النووي: مراد البخاري بذكر هذا هنا: أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعة تزيده.

قلت: هذا أيضًا غير موجه في ذكر المناسبة على ما لا يخفى. انتهى.

أقول: الذي يظهر أن ليس غرض الكرماني والنووي فيما ذكراه إبداء المناسبة بين البابين؛ ليرد عليهما ما ذكره، وإنما غرض الأول بيان وجه إدخال هذا الباب تحت كتاب الإيمان مع أنه ليس من الإيمان في شيء، فبين وجهه بمناسبة التضاد؛ لأن الضد يكون أسرع خطورًا في البال عند ذكر ضده، وغرض الثاني: بيان وجه نظم البخاري له في سلك أمور الإيمان، وما يكون له دخل في زيادته ونقصه، ولا يخفى أن هذين الأمرين أهم من إبداء مناسبة بين البابين، فليتأمل.

فإن قلت: كان المناسب أن يقول: باب آيات المنافق مطابقةً للفظ الحديث.

قلت: لعله نبه بذلك على أن المراد بالآية في الحديث العلامة لا الآية المشتملة على استغراب ونوع خرق للعادة كقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس:37] .

وقال العيني: لعله نبه بذلك على ما جاء في رواية أخرجها أبو عوانة في (( صحيحه ) )بلفظ: (( علامات المنافق ) ). انتهى.

والمنافق مشتق من النفاق، وهو كما في (( الفتح ) )لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه. انتهى.

وأصله: من نافقاء اليربوع، فإن إحدى حجرتيه يقال لها: النافقاء، وهو موضع يرققه بحيث إذا ضرب برأسه عليها تنشق وهو يكتمها ويظهر غيرها، فإذا أتى الصائد إليه من جهة القاصعاء، وهي جحره الظاهر الذي يقصع فيه؛ أي: يدخل، ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي: خرج فكما أن اليربوع يكتم النافقاء، ويظهر القاصعاء كذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإيمان، أو يدخل في الشرع من باب، ويخرج من آخر.

وقيل: المنافق مأخوذ من النفق، وهو السَّرب تحت الأرض يعني أنه يستتر بالإسلام كما يستتر صاحب النفق فيه، وجمع النفق: أنفاق.

والحاصل: أن المنافق هو المظهر لما يبطن خلافه، وفي الاصطلاح: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

قال العيني: هذا التفسير تفسير الزنديق اليوم، ولهذا قال القرطبي عن مالك: إن النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة اليوم عندنا.

ثم قال: واعلم أن حقيقة النفاق لا تعلم إلا بتقسيم نذكره، وهو أن أحوال القلب أربعة: وهي الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل وخلو القلب عن ذلك، فهذه أربعة أقسام، وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار والإنكار والسكوت، فيحصل من ذلك اثنا عشر قسمًا:

الأول: ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان، فهذا الإقرار إن كان اختياريًا فصاحبه مؤمن حقًا، وإن كان اضطراريًا فصاحبه كافر في الظاهر.

الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني، فهذا الإنكار إن كان اضطراريًا كان صاحبه مسلمًا، وإن كان اختياريًا كان كافرًا معاندًا.

الثالث: أن يحصل العرفان القلبي، ويكون اللسان خاليًا عن الإقرار والإنكار، فهذا السكوت إما أن يكون اختياريًا أو اضطراريًا، فإن كان اضطراريًا فهو مسلم حقًا، ومنه ما إذا عرف الله تعالى بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة فهذا مؤمن قطعًا، وإن كان اختياريًا فهو كمن عرف الله بدليله ثم لم يأت بالإقرار، فقال الغزالي: إنه مؤمن.

الرابع: اعتقاد المقلد لا يخلو معه الإقرار والإنكار أو السكوت، فإن كان معه الإقرار وكان اختياريًا فهو إيمان المقلد وهو صحيح خلافًا للبعض، وإن كان اضطراريًا فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا هناك بالكفر فههنا لا كلام.

وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن نحكم هاهنا بالنفاق، وهو القسم الخامس.

السادس: أن يكون معه السكوت فحكمه حكم القسم الثالث اضطراريًا أو اختياريًا.

السابع: الإنكار القلبي، فإما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت.

فإن كان الإقرار اضطراريًا فهو منافق، وإن كان اختياريًا فهو كفر الجحود والعناد، وهو أيضًا قسم من النفاق وهو القسم الثامن.

التاسع: أن يوجد الإنكار باللسان مع الإنكار القلبي فهذا كافر.

العاشر: القلب الخالي فإن كان معه الإقرار

ج 1 ص 282

فإن كان اختياريًا يخرج من الكفر، وإن كان اضطراريًا لم يكفر.

الحادي عشر: القلب الخالي مع الإنكار باللسان فحكمه على العكس من حكم القسم العاشر.

الثاني عشر: القلب الخالي مع اللسان الخالي فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب وإن كان خارجًا عن مهلة النظر وجب تكفيره، ولا يحكم عليه بالنفاق البتة، وقد ظهر من هذا أن النفاق الذي لا يطابق ظاهره باطنه فافهم. انتهى.

ولفظ المنافق من باب المفاعلة، وأصلها: أن تكون بين اثنين يفعل أحدهما بصاحبه ما فعل الصاحب به، لكنها هاهنا خرجت من الأصل واستعملت بمعنى فعل كقاتل بمعنى قتل، كما في: (( قاتلهم الله ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت