وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال:
33 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) بن داود الزهراني البصري العتكي، المتوفى بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير الأنصاري، أبو إبراهيم الزرقي، مولاهم المدني قارئ أهل المدينة، الثقة، الثبت، المتوفى ببغداد سنة ثمانين ومائة.
(قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) الأصبحي التيمي المدني، ونافع هذا أخو أنس والربيع وأويس، وهم عمومة مالك الإمام، سمع أنس بن مالك، وأباه، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وابن المسيب وغيرهم، روى له مالك وغيره.
قال أحمد، وأبو حاتم: ثقة روى له الجماعة.
(عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر جد مالك الإمام، ووالد أنس والربيع ونافع وأويس، توفي سنة ثنتي عشرة ومائة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ) أي: علامته، واللام للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو آية؛ ليطابق الخبر الذي هو (ثَلاَثٌ) .
وأجاب العيني: بأن الثلاث ليس جمعًا، بل هو اسم جمع، ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث. انتهى.
وقال صاحب (( الفتح ) ): وأفرد الآية على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع، وعقبه بالمتن الشاهد لذلك، وقد رواه أبو عوانة في (( صحيحه ) )بلفظ: (( علامات المنافق ) )انتهى.
وتعقبه العيني فقال: قلت: كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك؛ لأن التاء فيها كالتاء في تمرة، فالآية والآي؛ كالتمرة والتمر، وقوله: أو العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث يشعر بأنه إذا وجد فيه واحدة من الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق، وليس كذلك، بل يطلق عليه اسم المنافق غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملًا.
ويؤيده: حديث عبد الله بن عمرو الآتي عن قريب على أن هذا القائل أخذ ما قاله من كلام الكرماني، والكل مدخول فيه. انتهى.
وأقول: لقائل أن يمنع كون التاء تنافي إرادة الجنس؛ لما قاله المحققون من النحاة في الكلمة أن اللام فيها للجنس، والتاء للوحدة على أن الوحدة وحدتان نوعية وشخصية، والمنافي للجنس إنما هو الثانية لا الأولى على أن المفرد المضاف يعم بالقرينة، فليتأمل.
والجواب الثاني: وهو قوله أو العلامة إنما تحصل ... إلخ لم يورده مرتضيًا له، بل بين أنه غير موافق لمقصود المصنف، فليس مختارًا له ليرد عليه ما ذكره، ووزن آية على الصحيح فعلة بالتحريك قلبت الياء الأولى ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.
(إِذَا حَدَّثَ) في شيء (كَذَبَ) أي: أخبر به بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب والأكاذيب الأباطيل من الحديث، وأكذبت الرجل: ألفتيه كاذبًا، وأكذبته: إذا أخبرت أنه جاء بالكذب، وكذَّبته: إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال ثعلب: أكذبته وكذبته بمعنى: حملته على الكذب، أو وجدته كاذبًا.
وقال الأصمعي: أكذبته: أظهرت كذبه، وكذبته: قلت له: كذبت، والتكاذب: نقيض التصادق.
(وَإِذَا وَعَدَ) بالخير في المستقبل (أَخْلَفَ) قال ابن سيده: وعده الأمر وبه عدة ووعدًا وموعودًا وموعدة وموعودة، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة، وقد تواعد القوم واتعدوا قال الفراء: يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًا بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، وفي الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا: أوعدته بالشر أثبتوا الألف مع التاء.
وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرًا وهو نادر.
وفي (( الصحاح ) ): تواعد القوم؛ أي: وعد بعضهم بعضًا هذا في الخير، وأما في الشر فيقال: اتعدوا، والاتعاد أيضًا قبول الوعد.
وقال العيني: الوعد في الاصطلاح الإخبار، وبإيصال الخير في المستقبل، والإخلاف جعل الوعد خلافًا، وقيل: هو عدم الوفاء به. انتهى.
وهذه الجملة من عطف الخاص على العام؛ لأن الوعد نوع من التحديث، وهو داخل في قوله:
ج 1 ص 283
(( وإذا حدث ) )ولكنه أفرده بالذكر تنبيهًا على زيادة قبحه.
قال القسطلاني: فإن قلت: الخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام وحينئذٍ تكون الآية ثنتين لا ثلاثًا.
أجيب: بأن لازم الوعد الذي هو الإخلاف قد يكون فعلًا ولازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وخلف الوعد إنما يكون علامة على النفاق إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما إذا كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم يوجد منه صورة الخلف فلا يكون علامة على النفاق.
قال القسطلاني: وفي حديث الطبراني ما يشهد له حيث قال: إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، وهو عند الترمذي وأبي داود مختصرًا بلفظ: (( إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يفِ فلا إثم عليه ) ). وهذا في الوعد بالخير، أما الوعد بالشر؛ فيستحب إخلافه وقد يجب. انتهى.
وفي العيني: وقال العلماء: يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم، ويستحب أن يعقب الوعد بالمشيئة، ليخرج عن صورة الكذب، ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزًا، ولا يترتب عليه مفسدة. انتهى.
(وَإِذَا اؤْتُمِنَ) على صفة المجهول من الائتمان، وهو جعل الشخص أمينًا، وفي بعض الروايات: بتشديد التاء وهو بقلب الهمزة الثانية منه واوًا ثم إبدال الواو تاء وإدغام التاء في التاء كما في اتعد من الوعد (خَانَ) من الخيانة وهو التصرف في الأمانة على خلاف الشرع.
وقال ابن سيده: هو أن يؤتمن فلا ينصح.
يقال: خانه العهد والأمانة، ووجه الاقتصار على هذه الثلاثة: أنها منبهة على ما عداها، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف، وحينئذ فلا معارضة بين هذا الحديث وما وقع في الحديث الآتي بلفظ: (( أربع من كُنَّ فيه ) )الحديث؛ لأن قوله فيه: (( وإذا عاهد غدر ) )هو معنى قوله هنا: (( وإذا اؤتمن خان ) )؛ لأن الغدر خيانة.
وقوله: (( وإذا خاصم فجر ) )داخل تحت قوله هنا: (( إذا حدث كذب ) )؛ لأن الفجور في الخصومة لا يكون إلا بالافتراء والكذب.
وقال النووي: لا منافاة بين الحديثين؛ لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة، ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء، وروى أبو أمامة موقوفًا: (( وإذا غنم غل، وإذا أمر عصى، وإذا لقي جبن ) ).
وقال الطيبي: لا منافاة؛ لأن الشيء الواحد قد تكون له علامات، فتارة يذكر بعضها، وأخرى جميعها أو أكثرها.
وقال القرطبي: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم استجد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده.
وقال العيني: قلت: الأولى أن يقال: أن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص. انتهى.
وقال الخطابي: كلمة إذا تقتضي التكرار الفعلي تنبيهًا على العموم يعني أن العدد لا مفهوم له حتى عند من يعتبر مفهوم المخالفة على الراجح عندهم.
وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى المحافظة على لفظ الثلاث المذكورة في هذا الحديث، والتكلف في إرجاع ما ذكر في غيره إليها، فيؤخذ من هذا الحديث والذي بعده خمس علامات للنفاق؛ لأنهما تواردا على الكذب والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخلف في الوعد، والثاني الغدر في العهد والفجور في الخصومة.
وفي الكرماني: وقال النووي في (( شرحه للصحيح ) ): حصل من الحديثين أن خصال المنافق خمسة.
وقال في (( شرح صحيح مسلم ) ): (( وإذا عاهد غدر ) )هو داخل في قوله: (( وإذا اؤتمن خان ) )يعني هي أربعة.
وأقول: لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث، فتأمل.
والحق أنها خمسة متغايرة عرفًا وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا. انتهى. وإذا زيد عليها ما رواه أبو أمامة من الغلول والعصيان والجبن صارت ثمانية، وقد عدها بعضهم سبعة فزاد على ما هنا ونقص ونظمها بقوله:
~تعد علامات المنافق سبعة كما صح عن خير الخلائق في الخبر
~إذا قال لم يصدق ويخلف وعده وإن يؤتمن أبدى الخيانة والضرر
~وعند اصفرار الشمس يغدو مصليًا ويبغض من آوى النبي ومن نصر
~ويترك إتيان الصلاة لجمعة ثلاثًا وإن خاصمت ذاك الشقي فجر
وما تضمنته هذه الأبيات من علامات النفاق منها أربعة تؤخذ من حديثي الباب، وأما الثلاثة الباقية: وهي الصلاة عند اصفرار الشمس، وبغض الأنصار، وترك الجمعة ثلاثًا فهي مأخوذة من أحاديث أخر، وقد ظفرت ولله الحمد بمأخذ بغض الأنصار، وهو الحديث الذي بوب له المؤلف فيما سبق بقوله: باب علامة الإيمان حب الأنصار، ولفظ الحديث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ) ).
وظفرت أيضًا بمأخذ ترك الجمعة ثلاثًا وهو ما أخرجه الطبراني عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين ) )، كذا في (( الجامع الصغير ) )للسيوطي.
وأما الصلاة عند اصفرار الشمس؛ فلعل مأخذها قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى} [النساء:142] ؛ لأن تأخير العصر بغير عذر إلى ذلك الوقت لا يكون ناشئًا غالبًا إلا عن كسل وتهاون في الدين، وفات صاحب هذه الأبيات الغدر في العهد، وفاته أيضًا الغلول والعصيان والجبن المرويات عن أبي أمامة رضي الله عنه، فصارت
ج 1 ص 284
العلامات إحدى عشرة علامة، وقد ظفرت بعلامة أخرى للنفاق، وهي عدم شهود العشاء والصبح، وحديثه مذكور في (( الجامع الصغير ) )للسيوطي مما أخرجه سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلًا: (( آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونهما ) ).
وظفرت أيضًا بحديث أخرجه الديلمي في (( مسند الفردوس ) ): (( المنافق لا يصلي الضحى، ولا يقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ) ).
وبحديث آخر أخرجه عن علي رضي الله عنه: (( المنافق يملك عينيه يبكي كما شاء ) )ذكرها السيوطي في (( الجامع الصغير ) ).
وبعلامة أخرى وهي: (( أن المنافق لا يتضلع من ماء زمزم ) )كما جاء ذلك في خبر أخرجه القزويني عن أنس رفعه: (( أن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم ) ).
فبلغت العلامات بما ذكر خمس عشرة علامة الآن وإن عثر على غيرها زيد، وقد نظمت ما زيد على الأبيات المتقدمة مذيلًا لها بقولي:
~ويجبن إن لاقى العدو وإن غنم يغل وإن عاهدته مرة غدر
~ولا يشهد الصبح المنير ولا العشاء ويعصي إذا ما أمر بالهدى أمر
~ومن دأبه الإعراض عن سبحة الضحى ويملك عينيه بدمع قد انهمر
~تضلعه من ماء زمزم منتف فخذ عدها عشر إلى خمسة غرر
وربما يؤخذ من حديث أخرجه أحمد والبزار عن أبي هريرة رفعه: (( إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، لا يقربون المساجد إلا هجرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا، مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل صخب بالنهار ) ).
قوله: (( إلا هجرًا ) )أي: تركًا يريد الترك والإعراض، يقال: هجرت الشيء: إذا تركته، وقوله: (( دبرًا ) )أي: آخر الوقت.
قال في (( النهاية ) ): ومنه الحديث: (( ثلاثة لا تقبل لهم صلاة رجلٌ أتى الصلاة دبارًا ) )أي: بعدما يفوت وقتها، وقيل: دبار جمع دبر وهو آخر أوقات الشيء كالإدبار في قوله تعالى: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق:40] .
وقال أيضًا: وفي حديث: (( المنافقين خشب بالليل ) )أراد أنهم ينامون الليل كأنهم خشب مطرحة لا يصلون فيه، ومنه قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} [المنافقون:4] بضم الشين وتسكن تخفيفًا، وصخب بالنهار بالخاء المعجمة؛ أي: صياحون فيه ومتجادلون. انتهى.
وإنما عبر بإذا في الجمل الثلاث الدالة على تحقق الوقوع تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق.
وقال الخطابي: كلمة إذا تقتضي التكرار للفعل.
قال العيني: وفيه نظر، وحذفت المفاعيل الثلاثة من الأفعال الثلاثة تنبيهًا على العموم.
وقال العيني: واعلم أن جماعة عدوا هذا الحديث من المشكلات من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه مع أن الإجماع منعقد على أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاقه وجعله في الدرك الأسفل من النار.
قلت: ذكروا فيه أوجهًا:
الأول: ما قاله النووي ليس في الحديث إشكال، إذ معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه ومتخلق بأخلاقهم، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًا في حق من حدثه ووعده وائتمنه، لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر.
الثاني: ما قاله بعضهم هذا في من كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من ندر ذلك منه فليس داخلًا فيه.
الثالث: ما قاله الخطابي: هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم تحذير من اعتياد هذه الخصال خوفًا أن يفضي به إلى النفاق دون من وقعت نادرة منه من غير اختيار أو اعتياد، وقد جاء في الحديث: (( التاجر فاجر وأكثر منافقي أمتي قراؤها ) ).
ومعناه: التحذير من الكذب، وهو في معنى الفجور، فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارًا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء لا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين.
وقال أيضًا: والنفاق ضربان:
أحدهما: أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر، وعليه كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والآخر: ترك المحافظة على أمور الدين
ج 1 ص 285
سرًا ومراعاتها علنًا، وهذا أيضًا يسمى نفاقًا كما جاء: (( سباب المؤمن فسق وقتاله كفر ) ).
وإنما هو كفر دون كفر وفسق دون فسق كذلك هو نفاق دون نفاق.
الرابع: ما قاله بعضهم: ورد الحديث في رجل بعينه منافق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق، بل يشير إشارة كقوله عليه الصلاة والسلام: (( ما بال أقوام يفعلون كذا ) )فههنا أشار بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص.
الخامس: ما قاله بعضهم المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين حدثوا بأنهم آمنوا فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوه في نصرة الدين فأخلفوا.
قال القاضي: وإليه مال كثير من أئمتنا، وهو قول عطاء بن أبي رباح في تفسير الحديث، وإليه رجع الحسن البصري، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير، ورووا في ذلك حديثًا، روي: أن سعيد بن جبير أهمه هذا الحديث، فسأل ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما فقالا: أهمنا من ذلك يا ابن أخي مثل الذي أهمك، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( مالكم ولهنَّ إنما خصصت به المنافقين، أما قولي: إذا حدث كذب، فذلك فيما أنزل الله علي: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ} الآية أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا: لا، قال: (( فلا عليكم، أنتم من ذلك براء، وأما قولي: وإذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ} [التوبة:75] الآيات الثلاث، أفأنتم كذلك ) )، قلنا: لا، قال: (( لا عليكم أنتم من ذلك براء، وأما قولي: إذا اؤتمن خان، فذلك فيما أنزل الله علي: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ} [الأحزاب:72] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه يغتسل من الجنابة، ويصلي، ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية، أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا: لا، قال: (( لا عليكم أنتم براء من ذلك ) ).
السادس: ما قاله حذيفة: ذهب النفاق وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق بأن أظهر الإسلام وأبطن خلافه فهو مرتد.
السابع: ما قاله القاضي: أن المراد التشبه بأحوال المنافقين في هذه الخصال في إظهار خلاف ما يبطنون لا في نفاق الإسلام العام ويكون نفاقه على من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس.
الثامن: ما قاله القرطبي: أن المراد بالنفاق نفاق العمل واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل.
قلت: الألف واللام في المنافق لا يخلو إما أن تكون للجنس أو للعهد، فإن كانت للجنس يكون على سبيل التشبيه والتمثيل لا على الحقيقة وإن كانت للعهد تكون لمنافق خاص بعينه أو من المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه السلام. انتهى ملخصًا.
وقال الكرماني: يحكى أن رجلًا من البصرة قدم حاجًا، فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح، فقال: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول أنه منافق، فقال له عطاء: إذا رجعت إلى الحسن فقل له: إن عطاء يقرأ عليك السلام ويقول لك: ما تقول في بني يعقوب إخوة يوسف، إذ حدثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، فكانوا منافقين؟!
فلما قال ذلك للحسن سر الحسن به وقال: جزاك الله خيرًا، ثم قال لأصحابه: إذا سمعتم مني حديثًا فاصنعوا مثلما صنع أخوكم، حدثوا العلماء فما كان صوابًا فحسن، وإن كان غير ذلك ردوا علي جوابه.