(7) (باب مَا يُذْكَرُ) بالبناء للمفعول (فِي) صحة (الْمُنَاوَلَةِ) أي: المقرونة بالإجازة لما فرغ المؤلف من تقرير السماع من الشيخ الذي أعلى طريق التحمل عند الجمهور وكذا من تقرير العرض بقسميه اللذين هما قراءة الطالب على الشيخ من حفظه أو كتابه وقراءة غيره وهو يسمع كذلك شرع يذكر بقية أوجه التحمل المعتبرة عند الجمهور فمنها المناولة وهي على قسمين:
أحدهما: أن تكون مقرونة بالإجازة بأن يعطي الشيخ الطالب كتابه أو فرعًا مقابلًا به ويقول له: هذا سماعي مثلًا فاروه عني، وهذه قائمة
ج 1 ص 413
مقام السماع عند جماعة منهم الإمام مالك والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري فيجوز عندهم فيها إطلاق حدثنا وأخبرنا والصحيح أنها دون السماع والقراءة.
وثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة كأن يقول للطالب هذا سماعي مقتصرًا عليه فلا تجوز الرواية بها على الراجح كما قال العراقي في أرجوزته.
وإن خَلت من إذن المناولة قيل تصح والأصح باطلة وسيأتي الفرق بينها وبين الكتابة المجردة عن الإجازة حيث تجوز الرواية في هذه ولا تجوز في تلك على الصحيح ومنها الكتابة.
وأشار إليها المؤلف بقوله: (وَكِتَابِ) أي: وكتابة (أَهْلِ الْعِلْمِ) فهو مصدر ولذا تعلق به قوله: (بِالْعِلْمِ إِلَى) أهل (الْبُلْدَانِ) بضم الموحدة ومثلها القرى والأخبية، فذكر البلدان جرى على الغالب وصورة الكتابة أن يكتب المحدث حديثه بخطه أو بخط ثقة يأذن له سواء كان لضرورة أم لا وسواء سئل في ذلك أم لا فيقول بعد البسملة من فلان ابن فلان، ثم يكتب شيئًا من مرويه حديثًا فأكثر أو تصنيفه أو نظمه، والإذن له في روايته عنه كأن يكتب أجزت لك ما كتبت لك أو ما كتبت به إليك، ويرسله إلى الطالب مع ثقة مؤتمن بعد تحريره بنفسه أو بثقة وشده وختمه احتياطًا؛ ليحصل الأمن من توهم تغييره، وهذه في القوة والصحة كالمناولة المقترنة بالإجازة كما مشى عليه المؤلف، لكن قد رجح قوم منهم الخطيب المناولة عليها؛ لحصول المشافهة فيها بالإذن دون الكتابة، وهذا وإن كان يفيد الترجيح، فالمكاتبة أيضًا فيها ما يفيد الترجيح وهو كونها لأجل الطالب واختلف بأي صيغة يؤدي المكتوب إليه ما تحمله فجوز قوم منهم الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر إطلاق أخبرنا وحدثنا والجمهور على اشتراط التقييد بالكتابة فيقول: حدثنا أو أخبرنا فلان مكاتبة أو كتابة أو نحوهما فإن عرت الكتابة عن الإجازة فالمشهور تسويغ الرواية بها.
(وَقَالَ أَنَسٌ) وللأصيلي: كما هو موصول في حديث طويل عند المؤلف في فضائل القرآن (نَسَخَ) أي: كتب (عُثْمَانُ) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب الرابع، وهو ذو النورين أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية، وماتت عنده في غزوة بدر، وتخلف عنها لأجل تمريضها، فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة بسهم فارس، ثم أم كلثوم وماتت في عصمته أيضًا، ولم يحفظ أن رجلًا تزوج بابنتي نبي غيره، ولذا قيل له: ذو النورين، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفق الشيخان منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، قتل في داره شهيدًا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وولي الخلافة ثنتي عشرة سنة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض مناقبه في مناقب الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
(الْمَصَاحِفَ) جمع مصحف، ويجوز في ميمه الحركات الثلاث، وهو ما جمع فيه سور القرآن وآياته؛ أي: أمر بكتابتها فكتبت (فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ) جمع أُفُق بضمتين؛ أي: النواحي، والمراد بها: مواضع مخصوصة لا جميع الآفاق، فقد روى أنس أن حذيفة قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وردوا الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا فأرسل مصحفًا إلى الشام وآخر إلى الحجاز وآخر إلى اليمن وآخر إلى البحرين وأبقى عنده مصحفًا ليجتمع الناس على قراءة ما تيقن.
لكن قال أبو عمرو الداني: أجمع العلماء على أن عثمان كتب أربع نسخ، فبعث إحداهن إلى البصرة، وأخرى إلى الكوفة، وثالثًا إلى الشام وحبس آخر عنده.
وقال أبو حاتم السجستاني: كتب سبعة فبعث إلى مكة واحدًا، وإلى الشام آخر، وإلى اليمن
ج 1 ص 414
آخر، وإلى البحرين آخر، وإلى البصرة آخر، وإلى الكوفة آخر؛ أي: وأبقى عنده واحدًا.
قال في (( المصابيح ) ): سئل ابن المنير عن وجه إدخال هذا في المناولة والإجازة مع أن القرآن إنما ثبت بالتواتر.
وأجاب: بأن المستفاد من بعث المصاحف والمناولة فيها إنما هو الإسناد إلى عثمان لا أصل ثبوت القرآن، فإذا رأينا في الإمام حرفًا مما اختلفت السبعة فيه جاز أن يسند إلى عثمان أنه قرأ بذلك، وإن كنا لم نسمع قراءته وهذا كما يروي التلميذ عن المقرئين السبع ويسنده إليهم، وإن كانت السبع متواترة عنده من غير الشيخ.
قال: وهذا تحقيق يرتفع به الإشكال عن عنعنة القرآن، واستنادها إلى الآحاد فلا يظن أنا أثبتنا القرآن بالآحاد بل بالتواتر، وأولئك الآحاد من جملة عدد التواتر وفرقتهم الشهرة بالحذق والتجويد في الأداء.
قلت: وبهذا يجاب عما حكاه شيخنا أبو عبد الله بن عرفة عن شيخيه ابن عبد السلام وابن إدريس من أن السبعة غير متواترة مستدلين بأن شرط التواتر استواء الطرفين فيه والوسط والسبع تنتهي إلى أبي عمرو الداني.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: وكان جوابي للشيخين: منع حصر وقفها على الداني، بل شاركه في ذلك عدد كثير والخاص به شهرتها فقط، وهذا قريب مما سبق. انتهى.
(وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) قال في (( الفتح ) ): كذا في جميع نسخ الجامع عُمر بضم العين، وكنت أظنه العمري المدني وخرجت الأثر عنه بذلك في (( تعليق التعليق ) )وكذا جزم به الكرماني.
ثم ظهر لي من قرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد: أنه غير العمري؛ لأن يحيى أكبر منه سنًا وقدرًا فتتبعت فلم أجده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب صريحًا.
لكن وجدت في كتاب (( الوصية ) )لأبي القاسم بن منده من طريق البخاري بسند له صحيح إلى أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي بضم المهملة والموحدة أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال: انظر في هذا الكتاب فما عرفت منه اتركه وما لم تعرف امحه.
فذكر الخبر وهو أصل في عرض المناولة وعبد الله يحتمل أن يكون هو ابن عمر بن الخطاب، فإن الحبلي سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص، فإن الحبلي مشهور بالرواية عنه. انتهى.
وتعقبه العيني: بأن التقديم لا يستلزم ألا يكون هو العمري المذكور فمن ادعى ذلك فعليه بيان الملازمة، وبأن قول الحبلي أنه أتى عبد الله لا يدل بحسب الاصطلاح إلا على عبد الله بن مسعود؛ لأنه إذا أطلق في الصحابة عبد الله غير منسوب لا يفهم منه إلا عبد الله بن مسعود، وإذا أطلق في من بعدهم لا يفهم منه إلا ابن المبارك وبأن عمرو بن العاص بالواو وهي ساقطة في جميع نسخ البخاري. انتهى.
وأجاب في (( انتقاض الاعتراض ) ): بأنه لا يلزم من انتفاء الملازمة أن لا تثبت الملازمة إذا وجدت القرينة وهي أن التقديم يفيد الاهتمام، والاهتمام بالأسن الأوثق، وبأن الحصر الذي ادعاه مردود، وقد صرح الأئمة بخلافه.
فقال الخطيب عن أهل الصنعة: إذا قال المصري عن عبد الله فمراده عبد الله بن عمرو بن العاص، وإذا قال الكوفي عبد الله فمراده ابن مسعود والحبلي مصري. انتهى.
أقول: لم يتعرض لدفع قوله أن عمرو بن العاص بالواو وهي ساقطة في جميع نسخ البخاري؛ لأنه لا دافع له إلا احتمال سقوطها من قلم بعض النساخ، واتفاق نسخ البخاري على سقوطها يدفع هذا الاحتمال ويجعله في حكم العدم.
(ورأى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاري المدني أيضًا (وَمَالِكٌ) إمام دار الهجرة، وللأصيلي: (ذَلِكَ) أي: ما ذكر من المناولة والكتابة إلى أهل البلدان على حد قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة:68] (جَائِزًا) .
قال في (( الفتح ) ): أما الأثر بذلك عن يحيى بن سعيد ومالك؛ فأخرجه الحاكم في (( علوم الحديث ) )من طريق إسماعيل بن أويس قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مائة حديث من
ج 1 ص 415
حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك قال مالك فكتبتها ثم بعثتها إليه.
وروى الرامهرمزي من طريق ابن أبي أويس أيضًا عن مالك في وجوه التحمل قال: قراءتك على العالم ثم قراءته وأنت تسمع ثم أن يدفع إليك كتابه فيقول: اروِ هذا عني.
(وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ) هو شيخ المؤلف الحميدي ذكر ذلك في (( النوادر ) )له.
قال الكرماني: وسميت الحجاز؛ لأنها حجزت بين نجد والغور.
وقال الشافعي: هي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها؛ أي: قراها كخيبر للمدينة، والطائف لمكة. انتهى.
(بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ كَتَبَ) أي: أمر بالكتابة (لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ) وفي رواية الأصيلي: وهو عبد الله بن جحش الأسدي أخو زينب أم المؤمنين، وكان تأميره في السنة الثانية قبل وقعة بدر والسَّرِيَّة بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء القطعة من الجيش.
وقال في (( القاموس ) ): من الخمس أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة.
قال في (( الفتح ) ): وكانوا اثني عشر رجلًا من المهاجرين.
(كِتَابًا وَقَالَ: لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) قال في (( الفتح ) ): هكذا في حديث جندب على الإبهام، وفي رواية عروة أنه قال له: إذا سرت يومين فافتح الكتاب، قال: ففتحه هناك فإذا فيه: أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش ولا تستكرهنَّ أحدًا.
قال في حديث جندب: فرجع رجلان ومضى الباقون، فلقوا عمر بن الحضرمي ومعه عير؛ أي: تجارة لقريش، فقتلوه فكان أول مقتول من الكفار في الإسلام، وذلك في أول يوم رجب وغنموا ما كان معهم فكانت أول غنيمة في الإسلام، فعاب عليهم المشركون ذلك، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة:217] الآية. انتهى.
وفي (( سيرة محمد بن إسحاق ) ): فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه فإذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم وفيه وقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول يوم من رجب واستأسروا اثنين، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وقال: (( ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ) )وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى الآية المذكورة، فهذه أول غنيمة وأول أسير وأول قتيل قتله المسلمون.
وفي (( المصابيح ) ): وكانت السرية ثمانية رهط من المهاجرين سعد بن أبي وقاص وعكاشة وعقبة بن غزوان وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وو [ا] قد بن عبد الله وخالد بن بكير ونص الكتاب: (( بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فسر على بركة الله بمن معك من أصحابك حتى تنزل ببطن نخل فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخبر ) ). انتهى.
(فَلَمَّا بَلَغَ) أي: أمير السرية (ذَلِكَ الْمَكَانَ) أي: المكنى عنه بقوله صلى الله عليه وسلم مكان كذا وكذا لا نخلة التي هي بين مكة والطائف كما توهمه القسطلاني بدليل قوله: (قَرَأَهُ) أي: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم (عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) لأن أمره صلى الله عليه وسلم إنما كان بالمسير إلى بطن نخل المعبر عنها بنخلة كما هو صريح كتابه المار آنفًا، وقيل: فض الكتاب وقراءته لم يكن أمير السرية عالمًا بالأمر بالتوجه إليها وتجسس أخبار قريش منها على أن القسطلاني نفسه نقل رواية عروة وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال لأمير السرية إذا سرت يومين فافتح الكتاب، ونخلة التي هي بين الطائف ومكة لا يمكن بلوغها عادة بأقل من عشرة أيام فتعين أن يكون المراد بذلك المكان الذي نهى عن قراءة الكتاب قبل بلوغه مكان يكون بينه وبين المدينة يومان كما هو صريح رواية عروة ولم أر من الشراح من عين ذلك الموضع لقراءة الكتاب غير القسطلاني فتأمل ذلك وحرره.
ووجه الدلالة على ما ترجم له المؤلف من هذا
ج 1 ص 416
الحديث كما قال في (( الفتح ) ): ظاهر فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعلموا بما فيه فلولا أنه حجة لم يجب قبوله ففيه المناولة ومعنى المكاتبة.
قال في (( الفتح ) ): وتعقبه بعضهم: بأن الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة بخلاف من بعدهم حكاه البيهقي.
وأقول: شرط قيام الحجة بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا ويكون حامله مؤتمنًا والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير ثم ذكر أن الحديث الذي أشار إليه المؤلف لم يورده موصولًا في هذا الكتاب، وهو صحيح قد وجدته من طريقين:
إحداهما: مرسلة قد ذكرها ابن إسحق في (( المغازي ) )عن يزيد بن رومان وأبو اليمان في نسخة عن شعيب عن الزهري كلاهما عن عروة بن الزبير.
والأخرى: موصولة أخرجها الطبراني من حديث جندب البجلي بإسناد حسن، ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس عند الطبراني في (( التفسير ) )فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا. انتهى.