وبالسند إلى المؤلف:
64 -قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين سبط عبد الرحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كيسان الغفاري المدني (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري.
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير (بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين المهملة وإسكان الفوقية (بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا) الباء للمصاحبة ورجلًا مفعول به لبعث وهو عبد الله بن حذافة السهمي كما جاء مصرحًا به في المغازي من هذا الكتاب (وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ) وهو المنذر بن سَاوَى بالسين المهملة وبفتح الواو والبحرين بلفظ التثنية بلد بين البصرة وعمان [1] .
وقال الكرماني: بلدٌ قريب من حبرون وقيس ولم يقل إلى ملك البحرين، إذ لا ملك ولا سلطنة للكفار، إذ الكل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن ولاه.
(فَدَفَعَهُ) أي: فذهب به إلى عظيم البحرين فدفعه إليه ثم بعث به (عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى) فدفعه إليه فالفاء عاطفة على مقدر وتسمى بالفاء الفصيحة، وكِسْرَى بكسر الكاف وفتحها والكسر أفصح لقب لكل من ملك الفرس كما أن قيصر للروم والنجاشي للحبشة وخاقان للترك وفرعون للقبط والعزيز لمصر وتبع لحمير.
قال الجوهري: هو معرب خسرو، وجمعه: أكاسرة على غير قياس؛ لأن قياسه كَسرون بفتح الراء والمراد به هنا أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وليس هو أنوشروان (فَلَمَّا قَرَأَهُ) بإثبات ضمير المفعول الراجع إلى الكتاب، وللحموي والمستملي: بحذفه.
(مَزَّقَهُ) بتشديد الزاي؛ أي: شقه وخرقه.
قال ابن شهاب الزهري: (فَحَسِبْتُ) أي: ظننت (أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ) بفتح الياء على المشهور هو سعيد إمام التابعين وفقيه الفقهاء (قَالَ) لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تمزيقه غضب (فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ) أي: بأن (يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد الزاي مصدر كالتمزيق، والمعنى: أن يفرقوا كل نوع من التفريق كقوله تعالى: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ:19] فاستجاب الله تعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم.
ففي (( التواريخ ) ): أن ابنه شيرويه قتله سنة سبع ومزق بطنه، ثم لم يلبث بعده إلا ستة أشهر، ويقال: أن أبرويز لما أيقن بالهلاك على يد ابنه احتال في قتله، فكتب على حقة السم أنه دواء نافع للجماع، وكان ابنه شيرويه مولعًا بذلك، فلما هلك فتح ابنه خزانة الأدوية، ورأى الحقة تناول منها، فمات من ذلك السم، ولم يقم لهم بعد دعائه صلى الله عليه وسلم أمر، بل أدبر عنهم الإقبال، ومالت عنهم الدولة
ج 1 ص 417
ودارت عليهم الدوائر وأحاطت بهم النحوس حتى انقرضوا عن آخرهم في خلافة عمر حين توجيهه سعد بن أبي وقاص إلى العراق.
وقال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان: أنه بلغني أن رجلًا من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه واستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه، فبعث باذان بكتابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله: إن الله وعدني بقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا.
فلما أتى باذان الكتاب قال: إن كان نبيًا فسيكون ما قال، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الزهري: فلما بلغ باذان قتله بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس، وقال ابن سعد: لما مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلي باذان عامله في اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتياني بخبره.
فبعث باذان قهرمانه ورجلًا آخر، وكتب معهما كتابًا فقدما المدينة فأعطيا كتاب باذان إلى النبي فتبسم النبي عليه السلام ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترتعد.
وقال لهما: أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها، وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع سلط الله عليه ابنه شيرويه.
قال في (( الفتح ) ): ووجه دلالته على المكاتبة ظاهر، ويمكن أن يستدل به على المناولة من حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم ناول الكتاب لرسوله، وأمره أن يخبر عظيم البحرين بأن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه. انتهى.
وهذا أولى من قول الكرماني: وجه دلالة الحديث على الجزء الثاني من الترجمة ظاهر، وأما الجزء الأول؛ فدل عليه الكتاب الذي ناوله أمير السرية؛ لأن مناولة أمير السرية ليس في هذا الحديث، وإنما هو في الحديث الذي قبله.
قال ابن المنير: وجه دخول كسرى في المناولة: أنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابه على رسوله، ولكن ناوله إياه وأجاز له أن يسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزم المبعوث إليه العمل بما فيه، وهذه ثمرة الإجازة من الأحاديث. انتهى.
وفي هذا الحديث من اللطائف التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار، ورجاله كلهم مدنيون، وفيه تابعي عن تابعي.
وأخرجه المؤلف في المغازي، وفي خبر الواحد، وفي الجهاد، وهو من أفراده عن مسلم، وأخرجه النسائي في السير.
[1] في هامش المخطوط: (( عمان كغراب بلد باليمن وعَمَّان كشداد بلد بالشام(قاموس) وحبرون كزيتون مدينة الخليل عليه السلام )).