فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 1465

(48) (باب هَلْ تُنْبَشُ) : بضم المثناة الفوقية وسكون النون وفتح الموحدة (قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ) : قال العيني: (( هل ) )هنا للاستفهام التقريري وليس باستفهام حقيقي، صرح بذلك جماعة من المفسرين في قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} [الإنسان:1] .

ويأتي (( هل ) )أيضًا بمعنى قد، كذا فسر الآية جماعة منهم ابن عباس. انتهى.

وقال في (( المغني ) ): قال الزمخشري في (( كشافه ) ): {هَلْ أَتَى} : بمعنى قد أتى على معنى التقرير والتقريب جميعًا، ثم قال: وقد عكس قوم ما قاله الزمخشري؛ أي: فزعموا أن (( {هل} ) )لا تأتي بمعنى قد أصلًا وهذا هو الصواب عندي، إذ لا متمسك لمن أثبت ذلك إلا أحد ثلاثة أمور:

أحدهما: تفسير ابن عباس، ولعله إنما أراد أن الاستفهام في الآية للتقرير وليس باستفهام حقيقي، صرح بذلك جماعة من المفسرين.

فقال بعضهم: (( {هل} ) )هنا للاستفهام التقريري والمقرر به من أنكر البعث إلى آخر ما أطال به، فليراجع لمزيد الاطلاع.

وقال العيني: هذا الذي ذكرنا؛ أي: جعل هل للتقرير أحسن مما يقال: إن ذكر كلمة (( {هل} ) )هنا ليس له محل؛ لأن عادته إنما يذكر هل إذا كان حكم الباب فيه خلاف وليس هاهنا خلاف، ولم أر شارحًا هنا شفى العليل ولا أروى الغليل. انتهى.

وقوله: (ويتخذ) : عطفًا على قوله: (( ينبش ) )ويتخذ (مكانها مساجد) : يتخذ إن كانت متعدية إلى مفعولين فـ (( مكانها ) )مرفوع على أنه نائب الفاعل، و (( مساجد ) )المفعول الثاني وإن كانت متعدية إلى مفعول واحد فـ (( مكانها ) )منصوب على الظرفية، و (( مساجد ) )نائب الفاعل، كذا في العيني.

والغرض من الترجمة: أنه يجوز نبش قبور المشركين، إذ لا حرمة لهم؛ بخلاف أهل الذمة فإنه لا يجوز نبش قبورهم لدخولهم ببذل الجزية في ذمتنا.

(لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) : وهذا وصله المؤلف في أواخر المغازي.

قال في (( المصابيح ) ): هذا التعليل مشكل في الظاهر ويرتفع إشكاله بأن يقال المعنى: هل ينبش قبور المشركين من أهل الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لانتفاء المحذور الذي هو سبب في لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد سواء نبشها أو لم ينبشها.

وذلك لأن اللعن مع النبش ناشئ عن الاستهانة بالأنبياء عليهم السلام ومع عدم النبش ناشئ عن الغلو بعبادة قبورهم والسجود لها والغلو كالاستهانة كلاهما مذموم، فقبور المشركين الذين لا ذمة لهم إذا نبشت فاتخذ مكانها مساجد انتفت الغائلتان منهما إذ لا حرج في استهانتها بالنبش واتخاذ المسجد مكانها ليس تعظيمًا لها بل هو من تبديل السيئة بالحسنة، وهذا بخلاف أهل الذمة؛ لأن لأهل الذمة حقًا هذا معنى كلام ابن المنير انتهى.

فعلم بذلك: أن لا تعارض بين فعله صلى الله عليه وسلم في نبش قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، كما في (( الفتح ) ).

وقال العيني: هو تعليل لقوله: ويتخذ مكانها مساجد خاصة؛ لأن الترجمة شقان والتعليل للشق الثاني.

وقال القسطلاني: وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود فيكون قوله: (( اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد ) )واضحًا فإن النصارى لا يزعمون نبوة عيسى، بل يدعون فيه: أنه ابن أو إله أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة ولا يزعمون موته حتى يكون له قبر.

ومن قال منهم: إنه قتل فلهم في ذلك كلام مشهور في موضعه فيشكل حينئذ الرواية في الباب التالي لباب الصلاة في البيعة.

وفي أواخر المغازي: (( لعن الله اليهود والنصارى ) )وتعقبه بقوله: اتخذوا، ويأتي الجواب عن ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى انتهى.

(وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي الْقُبُورِ) : الظرفية مجازية؛ أي: بين القبور أو إليها.

قال في (( الفتح ) ): وهو يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر، أو إلى القبر، أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعًا: (( لا تجلسوا إلى القبور ولا تصلوا إليها أو عليها ) ).

وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة، وأورد معه

ج 2 ص 204

أثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة.

قال العيني: قوله: وما يكره من الصلاة في القبور جملة خبرية فكيف صح عطفها على هل تنبش قبور مشركي الجاهلية وهي إنشائية؟.

ثم أجاب: بأن الاستفهام فيها تقريري وهي في حكم الجملة الخبرية.

وقال الكرماني: الترجمة مشتملة على مسألتين:

الأولى: اتخاذ المساجد في مكان القبور، وروى مسلم أيضًا: (( لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ) ).

والثانية: اتخاذها بين القبور، ففي الأولى لا يبقى لصورة القبر أثر، وفي الثانية بخلافها، والحديث الثاني شاهد للأولى كما أن الأثر المنقول عن عمر شاهد للثانية انتهى.

ولم يعتبر نبش قبور المشركين ثالثة؛ لأنها غير مقصودة لذاتها بل ليتخذ مسجدًا مكانها.

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ).

(وَرَأَى عُمَرُ) : ابن الخطاب رضي الله عنه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ) : بالنصب فيهما على التحذير بحذف العامل وجوبًا؛ أي: اتق أو اجتنب القبر، (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ) ؛ أي: لم يأمر أنسًا بإعادة صلاته تلك فدل على الجواز لكن مع الكراهة.

وهذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في (( مصنفه ) )فيما حكاه ابن حزم، عن سفيان بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: (( رآني عمر أصلي إلى قبر فنهاني وقال: القبر أمامك ) ).

وعن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: (( رآني عمر أصلي عند قبر فقال لي: القبر لا يصلى إليه ) ).

مهمة: قال العيني: اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز الصلاة على القبور، فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئًا يقيه من النجاسة أم لا، ولا بين أن يكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها كالبيت والعلو.

وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث يعني قوله صلى الله عليه وسلم: (( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ).

وذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة الصلاة في المقبرة.

وفرق الشافعي بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال: إذا كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته.

وقال الرافعي: أما المقبرة فالصلاة مكروهة فيها بكل حال، ولم ير مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا، وحكى أبو مصعب عن مالك كراهة الصلاة في المقبرة كقول الجمهور.

وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار.

وفي (( شرح الترمذي ) )حكى أصحابنا خلافًا في الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل: المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة.

وقد قال الرافعي: لو فرش في المجزرة والمزبلة شيئًا وصلى عليه صحت صلاته وبقيت الكراهة لكونه مصليًا على نجاسة وإن كان بينهما حائل.

وقال القاضي حسين: إنه لا كراهة مع الفرش على النجاسة مطلقًا.

وحكى ابن الرفعة في (( الكفاية ) ): أن الذي دل عليه كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الموتى، وعلى كل تقدير من هذين المعنيين فينبغي أن تقيد الكراهة بما إذا حاذى الميت أما إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة فلا كراهة.

إلا أن ابن الرفعة بعد ما حكى المعنيين السابقين قال: لا فرق في الكراهة بين أن يصلى على القبر أو بجانبه أو إليه قال: ومنه يؤخذ أنه يكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها. انتهى ملخصًا.

وفي القسطلاني: قال في (( التوشيح ) ): ويستثنى مقبرة الأنبياء فلا كراهة فيها؛ لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم وأنهم أحياء في قبورهم يصلون، ولا يشكل بحديث: (( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )لأن اتخاذها مساجد أخص

ج 2 ص 205

من مجرد الصلاة فيها والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم.

قال في (( التحقيق ) ): ويحرم أن يصلى إلى قبره صلى الله عليه وسلم، ويكره إلى غيره مستقبل آدمي؛ لأنه يشغل القلب غالبًا ويقاس بما ذكر في قبره صلى الله عليه وسلم سائر قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام انتهى.

فأفاد: أن في استقبال قبور الأنبياء خلافًا، ولم يرجح أحد القولين، ولعل المتبادر الأول لظهور دليله والثاني في غاية البعد، ولم يذكر له دليلًا مع انتفاء علة الكراهة فيه فضلًا عن الحرمة اللهم إلا أن يقال في الصلاة إلى قبور الأنبياء تشبه بعبادتهم فليحرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت