قال في (( الفتح ) ): قال ابن المنير: هذه الترجمة من التراجم الخفية، وذلك لأن الخبر لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلي المذكور، لكنه صلى الله عليه وسلم لما قال له: (( ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ) )إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم ليتناول الأمر كل فرد منها فكل من لم يتم ركوعه أو سجوده أو غير ذلك مما ذكر مأمور بالإعادة.
قلت: ووقع في حديث رفاعة بن رافع عند ابن [أبي] شيبة في هذه القصة دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها.
فالظاهر أن المصنف أشار بالترجمة إلى ذلك. انتهى.
وبالسند قال:
793 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بالجمع (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين؛ أي: القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين هو العمري (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأربعة: بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين (الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) هو كيسان الليثي.
قال في (( الفتح ) ): قال الدارقطني: خالف يحيى القطان أصحاب
ج 2 ص 621
عبيد الله كلهم في هذا الإسناد فإنهم لم يقولوا عن أبيه ويحيى حافظ.
قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين وقال البزار لم يتابع يحيى عليه ورجح الترمذي رواية يحيى.
قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ وأما الرواية الأخرى فللكثرة ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه عن أبي هريرة.
ومن ثم أخرج الطريق من الشيخان فأخرج البخاري طريق يحيى هنا، وفي باب وجوب القراءة، وأخرج في الاستئذان طريق عبد الله بن نمير وفي الإيمان والنذور طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله ليس فيه عن أبيه.
وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة وللحديث طرق أخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع ومنهم من لم يسم رفاعة قال عن عم له بدري، ومنهم من لم يقل عن أبيه ورواه النسائي والترمذي من طريق يحيى بن علي عن يحيى عن أبيه عن جده رفاعة، لكن لم يقل الترمذي عن أبيه وفيه اختلاف آخر نذكره قريبًا. انتهى.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وللكشميهني: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) ولأبي ذر والحموي والمستملي: (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) وفي رواية ابن نمير: (( ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد ) )وللنسائي: (( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ونحن حوله ) ).
(فَدَخَلَ) بالفاء، ولأبي ذر: بالواو (رَجُلٌ) هو خلاد بن رافع الزرقي، ووقع عند الترمذي: إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته، وهذا لا يمنع تفسيره بخلاد المذكور (فَصَلَّى) ركعتين كما زادها النسائي وفيه إشارة إلى أنها نفل، وتحتمل الفرضية، والأقرب أنها تحية المسجد، وفي هذه الرواية وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرمقه ونحن لا نشعر (ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ) ثم هنا بمعنى الفاء لما في رواية أسامة فجاء فسلم وهي أبين؛ لأنه لم يكن بين مجيئه وصلاته تراخٍ.
(عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي: وعلى أصحابه الذين كانوا معه ويحتمل التخصيص لكن قوله: (فَرَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بإعادة الظاهر قد يقال فيها إشارة إلى التعميم (عَلَيْهِ السَّلاَمَ) أنه قال له: وعليك السلام كما في مسلم.
قال في (( الفتح ) ): وفي هذا تعقب على ابن المنير قال فيه: أن الموعظة في وقت الحاجة أهم من رد السلام، ولعله لم يرد عليه تأديبًا على جهله فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. انتهى.
والذي وقفنا عليه من نسخ (( الصحيحين ) ): ثبوت الرد في هذا الموضع وغيره إلا الذي في الأيمان والنذور، وقد ساقه صاحب (( العمدة ) )بلفظ الباب إلا أنه حذف منه فرد النبي صلى الله عليه وسلم فلعل ابن المنير اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب (( العمدة ) ). انتهى.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم للرجل (ارْجِعْ) بكسر الهمزة والجيم (فَصَلِّ) ولابن عجلان فقال: (( أعد صلاتك ) ) (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) في (( الفتح ) ): قال عياض فيه: إن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة فدل على إجزائها وإلا لزم تأخير البيان كذا قاله المهلب ومن تبعه من المالكية.
وفيه نظر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه وكأنه قال له أعد صلاتك على هذه الكيفية أشار إلى ذلك ابن المنير. انتهى.
(فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ) يعني بعد رد السلام عليه (ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاَثًا) أي: ثلاث مرات.
قال الكرماني: متعلق بصلي وقال وسلم وجاء على التنازع ووقع في رواية أبي أسامة فقال في الثانية أو الثالثة ويترجح ما هنا بعدم وقوع الشك فيها وبكونه عادته عليه الصلاة والسلام استعمال الثلاث غالبًا في تعليمه.
(فَقَالَ) الرجل (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ) أي: غير هذا الفعل، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بحذف الفاء من ما (فَعَلِّمْنِي) بصيغة الأمر المستعمل في الدعاء.
قال في (( الفتح ) ): وفي يحيى بن علي فقال الرجل: (( فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ فقال أجل ) ).
وإنما لم يعلمه من أول مرة؛ لأن التعليم بعد تكرير الخطاب أثبت في النفس منه ابتداء
ج 2 ص 622
وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه يحمل على أن الوقت كان متسعًا إن كانت الصلاة فرضًا لكن يشكل بإقراره الرجل على صلاة لا تصح.
اللهم: إلا أن يقال [1] أن أمره بالرجوع إلى الصلاة لا يقتضي أن يؤديها كما أداها أولًا فربما أنه صلى الله عليه وسلم كان يظن أنه يؤديها بالطمأنينة كاملة فلما صلاها كما صلاها أولًا أمره أن يصليها ثانيًا على ذلك الظن فربما تنبه في المرة الثانية بما أتى به من الخلل في الأولى فاستدركه فلما رآه صلى الله عليه وسلم أتى بالثانية كالأولى أمره أن يعود فقال: والذي بعثك الحديث، فتأمل.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم، ولأبي الوقت: (( فقال ) ) (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ) أي: تكبيرة الافتتاح، وفي رواية ابن نمير: (( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ ثم استقبل القبلة فكبر ) )وفي رواية يحيى بن علي فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النسائي أنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ويمجده، ولأبي داود: (( ويثني عليه ) )بدل: (( ويمجده ) ).
(ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ) وللأصيلي: بزيادة موحدة قبل ما تيسر (مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) وهو يدل على عدم تعين الفاتحة ويدل له حديث أبي داود ثم اقرأ بأم القرآن أو بما شاء الله وهذا أيضًا يدل على عدم تعين الفاتحة، إذ لا تخيير مع التعيين (ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) ولابن نمير عند ابن ماجه: (( حتى تطمئن قائمًا ) ).
وأخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسق لفظه فهو على شرطه وأخرجه إسحاق بن راهويه في (( مسنده ) )عن أبي أسامة وأبو نعيم في (( مستخرجه ) )، وأخرجه السراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة، فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان.
وفي لفظ لأحمد: (( فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها ) ).
وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها؛ أي: الطمأنينة في الرفع من الركوع شيء؛ لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته دالٌّ على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة، كذا في (( الفتح ) ).
(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا) قال في (( الفتح ) ): وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر حتى يستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه، وفي رواية محمد بن عمرو، فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى.
وفي رواية ابن إسحاق: (( فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالسًا ثم افترش فخذك اليسرى ثم تشهد ) ).
(ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) أي: المذكور من كلِّ ما تقدم (فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا) فرضًا كانت أو نفلًا، وفي رواية محمد بن عمرو: (( ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة ) ).
قال في (( الفتح ) ): واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم. انتهى.
وأقول: المنقول في الكتب المعتبرات أن الطمأنينة واجبة عندهم لا تبطل الصلاة بتركها لكن يجب على المصلي إعادة الصلاة المتروكة الطمأنينة فيها إن تركها عمدًا أو سهوًا ولم يسجد للسهو وذلك مبني على قواعدهم في أصول الفقه أن الفرض لا يثبت إلا بالدليل القطعي كالحديث المتواتر والآية الغير مؤولة والركوع والسجود ثابتان بقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77] ، والركوع: مجرد الانحناء، والسجود: مجرد وضع الجبهة على الأرض، والطمأنينة زائدة على ذلك.
والزيادة على النص نسخ له ولا ينسخ القطعي بخبر الآحاد فألحقوا الطمأنينة بالركوع والسجود على سبيل الوجوب؛ لأنها ثبتت بدليل ظني؛ ليكون المدلول على قدر الدليل وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وأما أبو يوسف فهو قائل بفرضيتها كالشافعي.
قال في (( الفتح ) ): واستدل به على تعيين التكبير خلافًا لمن قال: يجزئ كل لفظ يدل على التعظيم وقد تقدمت هذه المسألة في أول صفة الصلاة واستدل به على أن قراءة الفاتحة لا تتعين.
قال ابن دقيق: وجهه أنه إذا تيسر غير الفاتحة فقرأه يكون ممتثلًا فيخرج عن العهدة
ج 2 ص 623
قال: والذين عينوها أجابوا: بأن الدال على تعيينها تقييد للمطلق في هذا الحديث، وهو متعقب بأنه ليس بمطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير، وإنما يكون مطلقًا، لو قال: اقرأ قرآنًا، ثم قال: اقرأ فاتحة الكتاب.
وقال بعضهم: هو بيان للمجمل وهو متعقب أيضًا؛ لأن المجمل ما لم تتضح دلالته.
وقوله: ما تيسر متضح؛ لأنه ظاهر في التخيير، قال: وإنما يقرب ذلك إن جعلت ما موصولة، وأريد بها شيء معين وهو الفاتحة؛ لكثرة حفظ المسلمين لها فهي المتيسرة.
وقيل: هو محمول على أنه عرف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر، وقيل: محمول على منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة ولا يخفى ضعفهما، وقيل: إن قوله ما تيسر محمول على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة.
ويؤيده: الرواية التي تقدمت لأحمد وابن حبان حيث قال فيها: (( اقرأ بأم القرآن، ثم قال: اقرأ بما شئت ) ). انتهى.
وفي الحديث من الفوائد:
وجوب الإعادة على من أخلَّ بشيء من واجبات الصلاة، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن التعليم باللطف من غير تعنيف، وإيضاح المسألة، وتخليص المقاصد، وطلب المتعلم من العالم أن يعلمه، وفيه تكرار السلام ورده.
[1] (( أن يقال ) )مكررة في الأصل.