(63) (باب التَّعَاوُنِ) : بضم الواو، مصدر تعاون القوم تساعدوا؛ أي: ندب التعاون (فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) : بالإفراد، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بالجمع، وأل فيه للجنس فتبطل معنى الجمعية فتتوافق الروايتان.
(وقول الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة:17] ) : كذا للكشميهني كما في القسطلاني.
لكن في (( الفتح ) ): ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله، كذا في رواية أبي ذر وزاد غيره قبل قوله: (( ما كان وقول الله عز وجل وفي آخره إلى قوله: المهتدين ) ). انتهى.
ومقتضاه أن رواية: ليست مقصورة على الكشميهني بل هي للجميع ما عدا أبا ذر، على خلاف ما يقتضيه كلام القسطلاني والقول ما قالت حذام.
ولابن عساكر: من غير عاطف ؛ أي: ما صح وما استقام لهم.
قال في (( الفتح ) ): ذكره لهذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين من أحد الاحتمالين في الآية، وذلك إن قوله تعالى: {مَسَاجِدَ} يحتمل أن يراد بها مواضع السجود، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها، ويحتمل أن يراد الإقامة فيها لذكر الله تعالى. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا الذي قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلًا وإنما يناسب معنى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية على أن أحدًا من المفسرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل وإنما هو تصرف منه بالرأي في القرآن فلا يجوز ذلك ويجب الإعراض عنه. انتهى.
وأقول: أما الشق الأول: من تعقبه فالذي يظهر أنه في محله إذ مناسبة ما ذكره لآية {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ} في غاية الظهور.
وقوله: ويحتمل أن يراد بها مواضع السجود في غاية البعد؛ لأن مواضع السجود مساجد عباد الله لا مساجد الله، وإنما مساجد الله الأماكن المتخذة للصلاة.
وأما الشق الثاني: فليس كذلك فقد قال البغوي وهو من مشاهير المفسرين في تفسير هذه الآية: أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده فمن كان كافرًا بالله فليس من شأنه أن يعمرها.
فذهب جماعة: إلى أن المراد
ج 2 ص 230
منه العمارة المعروفة من بناء المسجد ومر منه عند الخراب فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا يمتثل، وحمل بعضهم العمارة على دخول المسجد والقعود فيه. انتهى.
غير أنه لم يذكر ما ذكره صاحب (( الفتح ) )من احتمال أن يراد بالمساجد مواضع السجود فيمكن أن يحمل قول العيني أن أحدًا لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل؛ أي: بتمامه. فليتأمل.
وقيل: المراد بالمساجد المسجد الحرام وإنما جمع؛ لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع.
( {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} ) : بإظهار الشرك وتكذيب الرسول؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله وعبادة غيره.
وسبب نزول هذه الآية ما ذكره صاحب (( الكشاف ) ): قيل: أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر فعيروهم بالشرك وطفق علي يوبخ العباس رضي الله عنهما بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم وأغلظ له في القول فقال العباس: (( تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا فقالوا: أولكم محاسن؟ فقالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجرًا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني فنزلت ) ).
ثم قال: أما القراءة بالجمع ففيها وجهان:
أحدهما: أن يراد به المسجد الحرام وإنما قيل: مساجد الله؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، وكأن كل بقعة منه مسجد.
والثاني: أن يراد به جنس المساجد فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته وهو آكد؛ لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كان أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك.
ثم إن البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة وحديث الباب لا يطابقها ولو ذكر قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ} [التوبة:18] الآية لكان أجدر وأقرب إلى المطابقة.
ثم وجه ذلك بما حاصله أن التعاون في بناء المساجد إنما يكون نافعًا مقبولًا إذا كان البانون لها ممن يؤمن بالله واليوم الآخر لا ممن كان مشركًا؛ أي: فيكون تقديم الآية التي ترجم بها كتقديم التخلية على التحلية.
وأقول: إن الآية الثابتة مذكورة فيما رأيناه من نسخ البخاري متنًا وشرحًا وكأنها لم تكن ثابتة في نسخة العيني.
على أن المطابقة بين الحديث والترجمة يكفي فيها المطابقة لجزء منها ولا شبهة في مطابقة الحديث لقوله: (( باب التعاون في بناء المسجد ) ). فليتأمل.
قال في (( الكشاف ) ): ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت وكانوا يطوفون عراة ويقولون: لا نطوف وعلينا ثياب قد أصبنا فيها المعاصي وكلما طافوا شوطًا سجدوا لها.
وقيل: هو قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. انتهى.
يعني أن الشهادة هنا عبارة عن ظهورها لهم بالتجاهر بالكفر فنزل ظهورها منزلة إثبات الحق بالشهادة.
وقيل: إن شهادتهم على أنفسهم بالكفر في الآخرة، فقد حكى البغوي عن السدي: أن النصراني يسأل من أنت؟ فيقول: نصراني واليهودي يقول: أنا يهودي ويقال للمشرك: ما دينك؟ فيقول: مشرك. انتهى.
أي فيكون قوله: شاهدين حال مقدرة ولا يخفى بعده.
( {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ) : أي: بطل ثوابها إذ لا ينفع مع الكفر طاعة.
قال في (( الكشاف ) ): وهي العمارة والحجابة والسقاية وفك العاني، وهي المرادة للبيضاوي بقوله: يفتخرون بها.
وإنما خصص صاحب (( الكشاف ) )المذكورات؛ لأنها كانت سبب النزول لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان:23] .
( {وَفِي النَّارِ} ) : لا في غيرها ( {هُمْ خَالِدُونَ} ) : لا غيرهم من عصاة المسلمين فإن من يعذب منهم بدخول النار يعذب مدة ثم يخرج منها بفضل الله تعالى: ( {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} ) : قال في (( الكشاف ) ): وقرئ بالتوحيد.
( {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} ) : قال البيضاوي: أي: إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى:
ج 2 ص 231
(( إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره ) ).
وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول لما علم أن الإيمان بالله قرينته وتمامه الإيمان به ولدلالة قوله: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} عليه. انتهى.
( {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ} ) : أي ولم يخف في الدين غير الله ولم يترك أمر الله لخشية غيره. قاله البغوي.
وقال في (( الكشاف ) ): فإن قلت: المؤمن يخشى المحاذير، ولا يتمالك أن لا يخشاها؟ قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضى الله رضى غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه حقّ الله وحق لنفسه قدم حقّ الله على حقّ نفسه، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عن المؤمنين.
( {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} ) : جمع هنا مراعاة لمعنى (( من ) )وأفرد أولًا مراعاة للفظها وهذا هو الأكثر.
قال البيضاوي: ذكره بصيغة التوقع قطعًا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم وتوبيخًا لهم بالقطع بأنهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرًا بين عسى ولعل فما بالك بأضدادهم، ومنعًا للمؤمنين أن يغتروا بأعمالهم ويتكلوا عليها.
وهاتان الآيتان دالتان على فضل تعمير المساجد ومدح العامرين لها بأحد الأمرين السابقين أو بهما معًا.
ومما ورد في ذلك ما في العيني: مما رواه عبد بن حميد في مسنده إلى أنس بن مالك أنه قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عمار المساجد هم أهل الله ) )، ورواه البزار أيضًا (( ولا شك أن أهل الله هم المؤمنون ) ). انتهى.
وأخرج الشيخان والترمذي قال عثمان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنكم أكثرتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة ) ).
وأخرج البزار عن أبي ذر رفعه: (( من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة ) )، وللقزويني كمفحص قطاة أو أصغر.
وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه: (( من بنى بيتًا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتًا في الجنة ) ).
زاد في (( الأوسط ) ): من در وياقوت.
وزاد (( الكبير ) )في حديث: (( من بنى لله مسجدًا قال رجل: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: نعم، وإخراج القمامات منها مهور الحور العين ) ).
وفي (( الكشاف ) ): وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (( يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقًا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة ) ).
وعنه الحديث: (( في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش ) ). وقال صلى الله عليه وسلم: (( من ألف المساجد ألفه الله ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) ). انتهى.
والعهدة في هذه الأحاديث عليه حيث لم يعزها لمخرجيها.