وتعقبه العيني فقال: (( ذكر ) ): من الباب الذي مصدره الذُّكر _ بالضم للذال _ لا من الباب الذي مصدره الذِّكر _ بالكسر _ وهذه دقة لا يفهمها إلا من له ذوق بتراكيب الكلام فلذلك فسر بعضهم قوله: (( ذكر ) )بقوله: تذكر فلو ذاق هذا ما ذكرنا لما احتاج إلى تفسير فعل بتفعل. انتهى.
قال العجيمي: قد أجاب عنه شيخنا الشبرابلسي بأنه إنما فسر به ليدل على أنه من الذُّكر _ بالضم _ إذ لو لم
ج 1 ص 778
يفسره به؛ لكان محتملًا لأن يكون معناه: تكلم على أن في (( القاموس ) ): ما زال منِّي على ذكر ويكسر؛ أي: تذكر. انتهى. وهو صريح في رد كلام العيني. انتهى.
أقول: ويؤيد ما في (( القاموس ) )ما قال في (( المصباح ) ): ذكرته بلساني وبقلبي ذِكرى _ بالتأنيث وكسر الذال _ والاسم: ذكر _ بالضم والكسر _ نص عليه جماعة منهم: أبو عبيد وابن قتيبة وأنكر الفراء الكسر في القلب، وقال: اجعلني على ذُكر منك بالضم لا غير ولهذا اقتصر عليه جماعة. انتهى.
فاعتراض العيني على هذا القول، ومع هذا فالجواب عنه سهل بأن يقال: ما ذكره صاحب (( الفتح ) )تفسير للمراد لا أن ذكر المجرد مرادف لتذكر المزيد وبالجملة: فلا موقع لهذا التبجح في هذا المقام ولا التعريض بعدم فهم الدقائق لمثل هذا التحرير الهمام
(فِي الْمَسْجِدِ) : متعلق بـ (( ذكر ) ) (أَنَّهُ) : بفتح الهمزة (جُنُبٌ) : أن ومعمولاها في محل نصب مفعولًا لـ (( ذكر ) ) (خَرَجَ) : بلفظ الماضي جواب (( إذا ) )ولأبي ذر وكريمة: (( يخرج ) ): بلفظ المضارع (كَمَا هُوَ) : أي: على هيئته وحاله جنبًا فما موصولة أو موصوفة أو مصدرية أو زائدة غير كافة أو كافة كما يؤخذ ذلك من كلام العيني.
قال رحمه الله تعالى: ثم في هذا التركيب وجوه من الإعراب:
الأول: أن تكون ما موصولة وهو مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: كالذي هو عليه من الجنابة.
الثاني: أن يكون (( هو ) ): خبرًا محذوف المبتدأ والتقدير: كالذي هو هوَ كما قيل في قوله تعالى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138] : أي: كالذي هو لهم.
الثالث: أن تكون ما زائدة ملغاة والكاف جارة لـ (( هو ) )و (( هو ) ): ضمير أنيب عن المجرور كما في قولك: ما أنا كأنت والمعنى: يخرج في المستقبل مماثلًا لنفسه فيما مضى.
الرابع: أن تكون ما كافة وهو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: عليه أو كائن.
الخامس: أن تكون ما كافة وهو فاعل والأصل: يخرج كما كان ثم حذفت كان فانفصل الضمير وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون مصدرية. انتهى.
وقال الكرماني: هذه الكاف تسمى كاف المقارنة؛ أي: خرج مقارنًا للأمر أو الحالة التي عليها؛ أي: الجنابة.
وتعقبه العيني فقال: تسمية هذه الكاف كاف المقارنة تصرف منه واصطلاح، بل هذه الكاف للتشبيه على أصله ونظير ذلك قولك لشخص: كن كما أنت عليه والمعنى: على ما أنت عليه. انتهى.
وأقول: لم ينفرد هو بهذا الاصطلاح بل هو مسبوق إليه، ففي (( مغني اللبيب ) ): إن مثل هذه الكاف تسمى كاف المبادرة. قال: وذلك إذا اتصلت بما نحو: سلم كما تدخل، وصل كما يدخل الوقت، ونقله عن ابن الخباز والسيرافي وغيرهما، وقال: إنه غريب ويقع كثيرًا في عبارات الفقهاء غاية ما فيه أنه عبر بالمقارنة وغيره عبر بالمبادرة وهما متقاربان والأمر في ذلك سهل.
وقوله: (وَلاَ يَتَيَمَّمُ) : توضيح لقوله: (( كما هو ) )، قاله العيني. وأشار به إلى رد ما نقل عن الثوري وإسحاق وبعض المالكية فيمن نام في المسجد فاحتلم: أنه يتيمم قبل أن يخرج وكذا إلى قول أبي حنيفة رحمه الله في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء: فإنه يتيمم ويدخل في المسجد فيستسقي ثم يخرج الماء من المسجد، قاله القسطلاني.
وفيه نظر بالنسبة إلى قول أبي حنيفة في المسافر؛ لأنه غير داخل تحت الترجمة؛ لأنها في من كان في المسجد وتذكر الجنابة وكلام أبي حنيفة في مسافر يمر على مسجد فيه عين ماء وهو جنب فلا يكون في الترجمة إشارة إلى قوله، فليتأمل.