(20) (باب) بالتنوين (السَّلاَمِ) اسم مصدر بمعنى التسليم، زاد في رواية كريمة: (مِنَ الإِسْلاَمِ) والمراد بإفشائه نشره سرًا وجهرًا، وهو مطابق للمرفوع في قوله: على من عرفت ومن لم تعرف، وبيان كونه من شعب الإسلام تقدم في باب إطعام الطعام، وتقدم الكلام على حديث الباب مع فوائد جمة هناك.
قال في (( الفتح ) ): وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث مراعاة للإتيان بالفائدة الإسنادية، وهي تكثير الطرق بحيث تحتاج إلى إعادة المتن فإنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين على صورة واحدة، فإن قيل: كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمة واحدة، ويخرج الحديث عن شيخيه مما أجاب الكرماني باحتمال أن يكون كل من شيخيه أورده في معرض غير معرض الآخر، وهذا ليس بطائل؛ لأنه متوقف على ثبوت وجود تضيق مبوب لكل من شيخيه، والأصل عدمه، ولأن من اعتنى بترجمة كل من قتيبة وعمرو بن خالد لم يذكر أن لواحد منهما تصنيفًا على الأبواب، ولأنه يلزم منه أن البخاري يقلد في التراجم، والمعروف الشائع عنه أنه هو الذي يستنبط الأحكام من الأحاديث، ويترجم بها ويتفنن في ذلك بما لا يدركه فيه غيره، ولأنه يبقى السؤال بحاله إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف ولو كان سمعهما مفترقتين، والظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدمناه فخص كل شعبة بباب تنويهًا بذكرها، وقصد التنويه يحتاج إلى التأكيد فلذلك غاير بين الترجمتين انتهى.
(وَقَالَ عَمَّارٌ) بفتح العين وتشديد الميم، هو أبو اليقظان بن ياسر، وأمه سمية بصيغة التصغير من السمو بنت خياط أسلمت، وكذا ياسر بن عمار قديمًا، وقتل أبو جهل سمية، وكانت أول شهيدة في الإسلام، وكانت مع ياسر وعمار رضي الله عنهم معذبين بمكة في الله تعالى فيمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فيقول: (( صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) )وكانوا من المستضعفين.
قال الواقدي: وهم قوم لا عشائر لهم بمكة، ولا منعة لهم، ولا قوة كانت قريش تعذبهم في الرمضاء، فكان عمار رضي الله عنه يعذب حتى لا يدري ما يقول، وصهيب كذلك، وفكيهة كذلك، وبلال وعامر بن فهيرة وفيهم نزل قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} [النحل:110] ومن قرأ {فُتِنُواْ} بالفتح وهو ابن عامر، فالمعنى فتنوا أنفسهم، وعن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان عليه الصلاة والسلام يمر ويمر بيده على رأسه ويقول: (( يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت على إبراهيم ) ).
قال الكرماني: وأعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان فنزل قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106] وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وصلى إلى القبلتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وهو أول من بنى مسجدًا لله تعالى بنى مسجد قباء، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وستون حديثًا، ذكر البخاري منها خمسة وشهد
ج 1 ص 266
قتال اليمامة في زمن الصديق فأشرف على صخرة ونادى: يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون؟ إلي إلي أنا عمار بن ياسر، وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ملئ عمار إيمانًا إلى أخمص قدميه ) ).
وقال له أيضًا: (( مرحبًا بالطيب المطيب ) ).
وقال أيضًا: (( اهتدوا بهدي عمار ) )وشهد صفين يذب عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وكانت الصحابة يومئذ يتبعونه حيث توجه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( تقتلك الفئة الباغية ) )، وقتل بصفين، ودفنه علي رضي الله عنه بثيابه حسبما أوصاهم به ثمة ولم يغسله.
قال صاحب (( الاستيعاب ) ): وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلونهم، ولكن يصلى عليهم، وذلك سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة انتهى، وقيل: اثنين وتسعين سنة، وقيل: إحدى وتسعين سنة.
(ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ) أي: اكتسبهن واتصف بهن (فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ) وسقط للأربعة لفظة: أي: استكمله كما في رواية شعبة، فثلاث مبتدأ وسوغ الابتداء به وقوعه صفة لموصوف محذوف، وتقديره خصال ثلاث.
وقال العيني: يجوز وقوع النكرة مبتدأ إذا كان الكلام بها في معنى المدح نحو طاعة خير من معصية، وقد عدوا هذا من المواضع التي يقع المبتدأ فيها نكرة انتهى.
وقوله من مبتدأ ثان وهو موصول مضمن معنى الشرط وجمعهن صلته، وقوله: (( فقد جمع الإيمان ) )خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
(الإِنْصَافُ) قال الصغاني: الإنصاف العدل والنصف والنصفة الاسم منه، يقال: أنصفه من نفسه وانتصفت أنا منه استوفيت حقي كاملًا وهو بدل من ثلاث مع ملاحظة ما عطف عليه، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: إحداها الإنصاف.
وقوله: (مِنْ نَفْسِكَ) متعلق به، ومقتضى السياق من نفسه، ففيه التفات على مذهب السكاكي ومعناه: أن لا تترك لمولاك ولا لعبيده حقًا عليك إلا أديته ولا شيئًا مما نهيت عنه إلا اجتنبته.
(وَبَذْلُ السَّلاَمِ) أي: إعطاؤه مصدر بذل الشيء يبذله بالضم والكسر (لِلْعَالَمِ) بفتح اللام؛ أي: لكل مؤمن عرفته أم لم تعرفه كما في الحديث المرفوع المتقدم، ويخرج الكافر لدليل آخر.
(وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ) أي: الفقر يقال: أقتر الرجل إذا افتقر، قال العيني: فإن قلت: على هذا التفسير يكون المعنى الإنفاق من العدم وهو لا يصح؟
قلت: كلمة من هنا يجوز أن تكون بمعنى في كما في قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة:9] أي: فيه، والمعنى والإنفاق في حالة الفقر وهو غاية في الكرم، ويجوز أن تكون بمعنى عند كما في قوله تعالى: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا} [آل عمران:10] أي: عند الله، والمعنى والإنفاق عند الفقر، ويجوز أن تكون بمعنى الغاية كما في قولك أخذته من زيد فيكون الإقتار غاية لإنفاقه وفي الحقيقة هي للابتداء لأن المنفق في الإقتار يبتدئ منه إلى الغاية انتهى.
وقال أبو الزناد: جمع عمار في هذه الألفاظ الخير كله؛ لأنك إذا أنصفت من نفسك فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك وبين الناس ولم تضيع شيئًا؛ أي: مما لله وللناس عليك.
وأما بذل السلام للعالم فهو كقوله عليه الصلاة والسلام: (( وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) )وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس، وأما الإنفاق من الإقتار فهو الغاية في الكرم، وقد مدح الله تعالى من هذه صفته بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9] .
أقول: ومنه قوله:
~ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
وهذا عام في نفقة الرجل على عياله، وأضيافه، وكل نفقة في طاعة الله تعالى وفيه أن نفقة المعسر على أهله أعظم أجرًا من نفقة الموسر لدلالته على قوة يقينه ووثوقه بالله تعالى، واعتماده على ما عنده، والموسر ربما اعتمد على ما في يده.
قال الكرماني: هذه الكلمات جامعة لخصال الإيمان كلها؛ لأنها إما مالية أو بدنية، والإنفاق إشارة إلى المالية لتضمنه الوثوق بالله تعالى، والزهادة في الدنيا، والبدنية إما مع الله تعالى؛ أي: التعظيم لأمر الله تعالى وهو الإنصاف، أو مع الناس وهو الشفقة على خلق الله تعالى وهو بذل السلام انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وهذا التقرير يقوي كون الحديث مرفوعًا لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي جوامع الكلم، وقال أيضًا: وهذا الأثر أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان من طريق سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن أبي شيبة في (( مسنده ) )من طريق شعبة وزهير ابنا معاوية وغيرهما كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار، ولفظ شعبة: (( ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان ) ).
وهو بالمعنى، وهكذا رويناه في جامع معمر عن أبي إسحاق، وكذا حدث به عبد الرزاق في (( مصنفه ) )عن معمر، وحدث به عبد الرزاق بآخره فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كذا أخرجه البزار في (( مسنده ) )، وابن أبي حاتم في (( العلل ) )كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في (( شرح السنة ) )من طريق أحمد بن كعب الواسطي، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في (( معجمه ) )عن محمد بن الصباح الصنعاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعًا، واستغربه البزار وقال أبو زرعة: هو خطأ وهو
ج 1 ص 267
معلول من حيث صناعة الإسناد؛ لأن عبد الرزاق تغير بآخره، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره إلا أن مثله لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وقد روينا مرفوعًا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في (( الكبير ) )، وفي إسناد [ه] ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في (( تغليق التعليق ) ). انتهى.