قال في (( الفتح ) ): أي: السنة في الجلوس الهيئة التي ذكرها، ولم يرد أن نفس الجلوس سنة، ويحتمل إرادته على أن المراد بالسنة الطريقة الشرعية التي هي أعم من الواجب والمندوب.
وقال ابن المنير: ضمن هذه الترجمة ستة أحكام وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول والأخير، وبينهما وبين الجلوس بين السجدتين، وأن ذلك كله سنة، وأن لا فرق بين الرجال والنساء، وأن ذا العلم يُحتج بعمله انتهى.
وهذا الأخير إنما يتم إذا ضم أثر أم الدرداء إلى الترجمة، وقد تقدم تقرير ذلك.
(وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صَلاَتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ) بكسر جيم جلسة (وَكَانَتْ فَقِيهَةً) أي: عارفة بالفقه.
قال في (( الفتح ) ): وأثر أم الدرداء المذكور وصله المصنف في (( التاريخ الصغير ) )من طريق مكحول باللفظ المذكور، وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه، لكن لم يقع عند قول مكحول في آخره: (( وكانت فقيهة ) )، فجزم بعض الشراح بأن ذلك من كلام البخاري لا من كلام مكحول.
فقال مغلطاي: القائل وكانت فقيهة هو البخاري فيما أرى، وتبعه شيخنا ابن الملقن فقال: الظاهر أنه قول البخاري انتهى.
وليس كما قالا فقد رويناه تامًا في (( مسند الفريابي ) )أيضًا بسنده إلى مكحول، ومن طريقة البخاري أن الدليل إذا كان عامًا وعمل بعمومه بعض العلماء رجح به، وإن لم يحتج بمجرده، وعرف من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية؛ لا الكبرى الصحابية؛ لأنه أدرك الصغرى ولم يدرك الكبرى، وعمل التابعي بمفرده ولو لم يخالف لا يحتج به، وإنما وقع الاختلاف في العمل بقول الصحابي، ولم يورد البخاري أثر أم الدرداء ليحتج به بل للتقوية انتهى.
وجزم الكرماني بأنها خيرة وهي الصحابية بخلاف التابعية واسمها هجيمة، ونقل ابن الأثير أن ابن منده، وأبا نعيم جعلا خيرة أم الدرداء الكبرى، وهجيمة واحدة يعني أنهما اسمان لمسمى واحد، ورده بمخالفتهما في الاسم فإن الكبرى اسمها خيرة وصحابية، والصغرة اسمها هجيمة وتابعية وقال: وما سواه وهم.
وقال العيني: إطلاق البخاري هنا يحتمل الصغرى والكبرى، ولكن احتمال الكبرى يقوى بقوله: وكانت فقيهة انتهى.
وأقول: فيه تأمل إذ من الجائز أن تكون الصغرى أيضًا فقيهة، ثم قال بعد ما نقل كلام صاحب (( الفتح ) ): الذي رجح فيه أنها الصغرى.
قلت: عبارة البخاري تحتمل الأمرين، ولكن الظاهر أنها الكبرى كما قال صاحب (( التلويح ) )و (( التوضيح ) )انتهى.
وأقول: لا يخفى ما فيه فإن كلام صاحب (( التلويح ) )و (( التوضيح ) )ليس بحجة على صاحب (( الفتح ) )لاسيما وقد احتج برواية مكحول عنها، ومكحول لم يدرك الكبرى فلا تقوم الحجة له إلا إذا أثبت أن مكحولًا أدرك الكبرى فليتأمل.
وقال ابن الملقن: أم الدرداء الصغرى اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة، وقيل: جمانة بنت حُيي الوصابيّة وهي تابعية حجت سنة إحدى وثمانين وخطبها معاوية، وأما الكبرى فاسمها
ج 2 ص 655
خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي نزلت الشام، وماتت في خلافة عثمان، وتقدمت في باب صلاة الفجر بالجماعة.
قال العيني: دل الحديث على أن المستحب للمرأة أن تجلس في التشهد كما يجلس الرجل وهو أن ينصب اليمنى ويفترش اليسرى، وبه قال النخعي، وأبو حنيفة، ومالك، ويروى عن أنس كذلك، وعن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر وتضع فخذها الأيمن على الأيسر، وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع، ولا سجود، ولا جلوس بخلاف الرجل.
وقال قوم: تجلس كيف شاءت إذا تجمعت، وبه قال عطاء، والشعبي، وكانت صفية رضي الله عنها تصلي متربعة ونساء ابن عمر كن يفعلنه.
وقال بعض السلف: كن النساء يؤمرن أن يتربعن إذا جلسن في الصلاة، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن.
وقال عطاء وحماد: تجلس كيف تيسر انتهى.