وبالسند قال:
827 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) كمرحمة (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) بن محمد بن الصديق (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير في الاسمين ابن عمر بن الخطاب كان من سادات التابعين والثقات سمي باسم أبيه، وكني بكنيته، توفي بالمدينة أول خلافة هشام بن عبد الملك (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) ضمير أنه والمستتر في أخبر لعبد الله، والمنصوب لعبد الرحمن وهو صريح في أن عبد الرحمن أخذه عن عبد الله بلا واسطة، فيحمل ما رواه الإسماعيلي وغيره من إدخال القاسم والد عبد الرحمن بين عبد الرحمن وعبد الله على أن عبد الرحمن سمعه تارة من أبيه عن عبد الله، وتارة سمعه منه إما وحده وإما مع أبيه.
(أَنَّهُ كَانَ يَرَى) أي: كان عبد الله يرى والده (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بضم العين (يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاَةِ) متعلق بيتربع لا بيرى (إِذَا جَلَسَ) للتشهد، ويحتمل الأعم فيشمل ما بين السجدتين (فَفَعَلْتُهُ) أي: التربع اقتداء به، وهذا من كلام عبد الله بن عبد الله (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي) عن التربع (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) والده.
(وَقَالَ) بالواو، ولابن عساكر: (( بالفاء ) )، ولأبي ذر في نسخة ولأبي الوقت: (( قال ) )بحذف العاطف (إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ) أي: التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحديث مرفوع حكمًا على الراجح (أَنْ تَنْصِبَ) بكسر الصاد المهملة (رِجْلَكَ الْيُمْنَى) أي: تنصب قدمها وتضع بطون أصابعه [1] على الأرض (وَتَثْنِيَ) بفتح أوله وسكون ثانيه؛ أي: تعطف (الْيُسْرَى) .
قال في (( الفتح ) ): لم يبين في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها هل يجلس فوقها أو يتورك، ووقع في (( الموطأ ) )عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى ولم يجلس على قدميه ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل كذلك، فتبين في رواية القاسم ما أجمل في رواية ابنه، وإنما اقتصر المصنف على رواية عبد الرحمن لتصريحه فيها بأن ذلك هو السنة لاقتضاء ذلك الرفع بخلاف رواية القاسم، ورجح ذلك عنده حديث أبي حميد المفصل بين الجلوس الأول والثاني على أن الصفة المذكورة قد يقال لا تخالف حديث أبي حميد؛ لأن في (( الموطأ ) )أيضًا عن عبد الله بن دينار التصريح بأن جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهد الأخير.
وروى النسائي عن يحيى بن سعيد: أن سعيد بن القاسم حدثه: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: (( من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى ) )فإذا حملت هذه الرواية على التشهد الأول، ورواية مالك على التشهد الأخير انتفى التعارض، ووافق ذلك التفصيل في حديث أبي حميد، كذا في (( الفتح ) ).
(فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: التربع هذا من قول عبد الله لوالده ابن عمر (فَقَالَ) ابن عمر (إِنَّ رِجْلَيَّ) بتشديد الياء تثنية رجل بكسر الراء، ولأبي الوقت وابن عساكر: (( إن رجلاي ) )بالألف على لغة من يلزم المثنى الألف وهم بنو الحارث، وقيل: على أن اسمها ضمير الشأن محذوفًا أو على أن بمعنى نعم فما بعدها فيهما مبتدأ والجملة بعده خبره (لاَ تَحْمِلاَنِي) بفتح الفوقية وسكون الحاء المهملة وتخفيف النون، ولأبي ذر: (( لا تحملانّي ) )بتشديدها.
قال ابن الملقن: يريد أنه كان فدع بخيبر فلم يقدر على أكثر مما فعل، والحديث رواه أبو داود، والنسائي، والبيهقي، ولفظ
ج 2 ص 656
النسائي: (( من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقبالك بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى ) )، وفي رواية له: (( من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى ) ).
قال ابن الملقن: اختلف العلماء في صفة الجلوس في الصلاة فذهب قوم إلى حديث ابن عمر وقالوا: سنة الجلوس في الصلاة كلها، وبين السجدتين أن ينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتى يستوي قاعدًا هذا قول مالك، وروي عن النخعي وابن سيرين وذهب آخرون إلى حديث أبي حميد، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وذهب الثوري والكوفيون في الجلوس كله إلى الجلسة الأولى من حديث أبي حميد وهو الافتراش، حجة الأولين قول ابن عمر: إن ذلك سنة الصلاة وهو مرفوع حكمًا، وحجة الثانية حديث أبي حميد ولم ينكر عليه فدل على أنه السنة.
وقال الشافعي: حديث أبي حميد صريح في التفرقة بينهما، وبقية الأحاديث مطلقة فيجب حملها عليه، فمن روى التورك أراد الآخر، ومن روى الافتراش أراد الأول، وحجة الثالثة حديث وائل بن حجر: (( أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس في الصلاة فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها ) ).
وجمع بعضهم بأن هذه أحوال جائزة كلها، وقد روي عن جماعة من السلف: أنهم كانوا يقعدون متربعين في الصلاة منهم ابن عباس، وأنس، وسالم، وعطاء، وابن سيرين، ومجاهد، وأجازه الحسن في النافلة، وكرهه في الفريضة، وكرهه الحكم، وكذا ابن مسعود وقال: لأن أصلي على رضفتين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة، وحكمة التفرقة بين الجلوسين أنه أقرب إلى تذكر الصلاة، وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول يعقبه حركة بخلاف الثاني وليتوفر للدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين هو انتهى.
ونقل العيني عن الجواهر للمالكية: أنه يتورك، وقال ابن رجب: وقالت طائفة: أنه يتورك في جميعها وهو قول مالك فتأمله مع ما سبق في كلام ابن الملقن فلعل لمالك قولين في المسألة.
وقال العيني: وعندنا السنة أن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى نصبًا في القعدتين جميعًا، وبه قال الثوري، واستدلوا بما في مسلم عن عائشة قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة إلى أن قالت: وكان يفرش اليسرى وينصب اليمنى ) )الحديث.
وأما جلوس المرأة فهو التورك، وقال الثوري: جلوس المرأة كجلوس الرجل، وحكى عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع، وعن بعضهم التربع في النافلة انتهى.
وقال في (( فتح الباري ) ): قال ابن عبد البر: اختلفوا في التربع في النافلة، وفي التربع للمريض في الفريضة، فأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة بإجماع العلماء، كذا قال، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: (( لئن أقعد على ردفتين أحب إلي من [أن] أقعد متربعًا في الصلاة ) )، وهذا يشعر بتحريمه عنده، ولكن المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة، فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز نفي الجواز المستوي الطرفين.
[1] لعل الصواب: (( أصابعها ) ).