وأما الخلا بالفتح والقصر فهو الحشيش الرطب والكلام الحسن، والخلاء بالكسر والمد عيب في الإبل.
قال في (( الفتح ) ): واستشكل إدخال هذا الباب والأبواب التي بعده إلى باب الوضوء مرة مرة؛ لأنه شرع في أبواب الوضوء فذكر منها فرضه وشرطه وفضيلته وجواز تخفيفه واستحباب إسباغه، ثم غسل الوجه، ثم التسمية، ولا أثر لتأخيرها عن غسل الوجه؛ لأن محلها مقارنة أول جزء منه، فتقديمها في الذكر عنه وتأخيرها سواء، لكن ذكر بعدها القول عند الخلاء واستمر في ذكر ما يتعلق بالاستنجاء، ثم رجع فذكر الوضوء مرة مرة.
وقد خفي وجه المناسبة على الكرماني، فاستروح قائلًا ما وجه الترتيب بين هذه الأبواب مع أن التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده، ثم توسيط أبواب الخلاء بين أبواب الوضوء؟ وأجاب بقوله: قلت: البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث، وما يتعلق بتصحيحه لا غير انتهى.
وقد أبطل هذا الجواب في كتاب التفسير فقال: لما ناقش البخاري في أشياء ذكرها من تفسير بعض الألفاظ بما معناه لو ترك البخاري هذا لكان أولى؛ لأنه ليس من موضوع كتابه، وكذلك قال في مواضع أخرى: إذا لم يظهر له توجيه ما يقوله البخاري مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن، كأبي عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم.
وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد وأمثالهما، وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كلاب ونحوهما، والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في تراجمه.
وقد أبديت في هذا الشرح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خفاء به، وقد أمعنت النظر في هذا الموضع فوجدته في بادئ الرأي يظن الناظر فيه أنه لم يعتن بترتيبه كما قال الكرماني لكنه اعتنى بترتيب كتاب الصلاة اعتناء تامًا كما سأذكره هناك، وقد يتلمح أنه
ج 1 ص 588
ذكر أولًا فرض الوضوء كما ذكرت، وأنه شرط لصحة الصلاة، ثم فصله، وأنه لا يجب إلا مع التيقن، وأن الزيادة فيه على إيصال الماء إلى العضو ليس بشرط، وأن مهما زاد على ذلك من الإسباغ فضل، ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة، وأن التسمية مع أوله مشروعة كما يشرع الذكر عند دخول الخلاء، فاستطرد من هنا لآداب الاستنجاء وشرائطه، ثم رجع إلى بيان أن واجب الوضوء المرة الواحدة، وأن الثنتين سنة، ثم ذكر سنة الاستنثار إشارة إلى الابتداء بتنظيف البواطن قبل الظواهر، وورد الأمر بالاستجمار وترًا في حديث الاستنثار، فترجم به لأنه من جملة التنظيف، ثم رجع إلى تكملة حكم التخفيف، فترجم بغسل القدمين ولا يمسح إشارة إلى أن التخفيف لا يكتفى فيه بالمسح دون مسمى الغسل، ثم رجع إلى المضمضة لأنها أخت الاستنشاق، ثم استدرك بغسل العقبين لئلا يظن أنهما لا يدخلان في مسمى القدم، وذكر غسل الرجلين في النعلين ردًا على من قصر في سياق الحديث المذكور، فاقتصر فيه على النعلين على ما سأبينه، ثم ذكر فضل الابتداء باليمين، ومتى يجب طلب الماء للوضوء، ثم ذكر حكم الماء الذي يستعمل وما يوجب الوضوء، ثم ذكر الاستعانة في الوضوء، ثم ما يمتنع على من كان على غير وضوء، واستمر على ذلك إذا ذكر شيئًا من أعضاء الوضوء استطرد منه إلى ما له به تعلق لمن يمعن التأمل، إلى أن أكمل كتاب الوضوء على ذلك، وسلك في ترتيب الصلاة أسهل من هذا المسلك، فأورد أبوابها ظاهرة التناسب في الترتيب، فكأنه تفنن في ذلك، والله أعلم انتهى.
وأقول: إن المناسبة بين الأبواب من المحسنات، وليست من الأمور اللازمة حتى يرتكب لتحصيلها مثل هذه التكلفات، نعم إذا أمكن تحصيلها بدون تكلف بعيد فهو أولى، فما جنح إليه الكرماني من أن البخاري غير ملتزم للمناسبات ليس ببعيد.