فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

141 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة رافع الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي المتوفى سنة مائة.

(عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عباس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما حال كونه (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) ، وسقط لفظ: (( به ) )لغير الأربعة، ومعنى: (( يبلغ به ) )يصل به ابن عباس النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الكرماني: وهذا كلام كريب، وغرضه أنه ليس موقوفًا على ابن عباس بل مسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

ج 1 ص 586

لكنه يحتمل أن يكون بالواسطة بأن سمعه من صحابي سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بدونها ولما لم يكن قاطعًا بأحدهما أو لم يرد بيانه ذكره بهذه العبارة.

(قَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ) بفتح همزة أن وهي واسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، والتقدير: لو ثبت قول أحدكم وقت إتيان أهله قول بسم الله ... إلخ، ويجوز جعل ذلك المصدر مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: لو قول أحدكم بسم الله ... إلخ ثابت على حد قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} [الحجرات:5] .

(إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) أي: زوجته، ومثلها الأمة، والإتيان هنا كناية عن الجماع (قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ) خبر أن (اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) بتشديد النون من جنب الشيء تجنيبًا إذا أبعده منه، ومنه الجنب؛ لأنه بعيد عن عبادة الله بالصلاة وتلاوة القرآن ونحوهما، وأجنبته الشيء مثل جنبته، وقرأ الجحدري وطاوس وعيسى بن عمر: (( واجنبني وبني ) )بقطع الهمزة.

(الشَّيْطَانَ) مفعول ثان لجنبنا، والشيطان معروف، ويطلق على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب، والعرب تسمي الحية شيطانًا، ونونه أصلية، ويقال أنها زائدة، فإن جعلته فيعالًا من قولهم تشيطن صرفته، وإن جعلته من تشيط لم تصرفه لأنه فعلان.

(وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) ما موصولة أو نكرة موصوفة والعائد على التقديرين محذوف؛ أي: رزقتناه.

وقال العيني: قول من قال من الشارحين: ما هاهنا بمعنى شيء ليس بشيء، وأقول: وأبعد منه جعل ما مصدرية والمصدر بمعنى اسم المفعول لأنه تأويل على تأويل، والرزِق بكسر الزاي ما ينتفع به ولو كان حرامًا عند أهل السنة، وعند المعتزلة لا يقال للحرام رزق، ويلزمهم أن من أكل الحرام طول عمره أن لا يكون الله تعالى رزقه، وهو باطل لقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} [هود:6] .

وفي العيني: وقال بعضهم: الرزق بالفتح المصدر الحقيقي، والرزق بالكسر الاسم يقال: رزقه الله يرزقه، وقد يسمى المطر رزقًا، وذلك قوله تعالى: {وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ} [الجاثية:5] {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ} [الذاريات:22] وهو على الاتساع في اللغة انتهى.

ويقال: الرزق في كلام العرب على الحظ قال تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة:82] ؛ أي: حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل، وهو خاص به دون غيره.

وقيل الرزق: كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهذا باطل؛ لأن [الله] تعالى أمرنا أن ننفق مما رزقنا فقال: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم} [المنافقون:10] فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه.

وقيل: الرزق ما يملك، وهو أيضًا باطل؛ لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا وزوجة صالحة، وهو لا يملك الولد ولا الزوجة انتهى.

وأقول: يمكن الجواب عن الأول بأن المراد ما من شأنه أن يؤكل أو يستعمل.

وعن الثاني بأنه على طريق المجاز؛ لأن الولد لما كان نتيجة الوالد، والزوجة محبوسة على منافع الزوج صارا كأنهما مملوكان له، وفي الحديث: (( أنت ومالك لأبيك ) ).

(فَقُضِيَ) بالبناء للمفعول من القضاء.

قال العيني: وله معان متعددة، يقال: قضى؛ أي: حكم، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء:23] وقضى حاجته؛ أي: فرغ منها، وضربه فقضى عليه؛ أي: قتله كأنه فرغ منه، وقضى نحبه؛ أي: مات، وقضى دينه؛ أي: أداه، وقضى إليه الأمر؛ أي: أنهاه إليه، قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ} [الحجر:66] وقضى إليه؛ أي: مضى إليه، وقضاه؛ أي: صنعه، وقضاه؛ أي: قدره قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:12] ومنه القضاء والقدر، والمناسب هاهنا إما حكم أو قدر انتهى ملخصًا.

(بَيْنَهُمَا) أي: بين الأحد والأهل، وهو ظرف لقضي، وللحموي والمستملي: بالجمع باعتبار معنى الأهل.

وقال الكرماني: باعتبار أن أقل الجمع اثنان.

وتعقبه البرماوي فقال: الخلاف في صيغ الجمع لا في الضمائر، وإنما هذا باعتبار الجنس، وبالنظر إلى معنى الجمع في الأهل.

وقوله: (وَلَدٌ) نائب فاعل قضي، وهو يشمل الذكر والأنثى، وقوله: (لَمْ يَضُرَّهُ) جواب لو والضمير مستتر للشيطان والبارز للولد.

قال العيني: أي: لم يضر الشيطان الولد في دينه يعني لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه عز وجل بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42] ويقال: يحتمل أن يؤخذ قوله لم يضره عامًا، فيدخل تحته الضرر الديني.

ويحتمل أن يؤخذ خاصًا بالنسبة إلى الضرر البدني بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه وهو الأقرب، وإن كان التخصيص خلاف الأصل لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى أن يكون الولد معصومًا

ج 1 ص 587

عن المعاصي، وقد لا يتفق ذلك، ولا بد من وقوع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، أما إذا حملناه على الضرر في العقل والبدن فلا يمتنع.

وقال القاضي عياض: قيل: المراد أنه لا يصرعه الشيطان.

وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره.

قال: ولم نحمله على العموم في جميع الصور لوجود الوسوسة والإغواء، يعني الحمل على فعل المعاصي.

وقال الداودي: لم يضره: لم يفتنه بالكفر انتهى.

وروى ابن جرير في (( تهذيب الآثار ) )بسنده عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن:56] انتهى.

ويجوز في (( لم يضره ) )ضم الراء للإتباع، ويجوز الفتح للخفة، والأول أفصح، ويجوز الفك أيضًا.

وفي الحديث فؤائد:

منها: أن الولد من الرزق، وليس الرزق مقصورًا على المأكول والملبوس.

ومنها: كما قال ابن بطال: إن فيه حثًا على ذكر الله تعالى في كل وقت وحال.

ومنها: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع.

واستحب الغزالي في الإحياء أن يقرأ بعد بسم الله {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] ويكبر ويهلل ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدًا يخرج من صلبي.

قال: وإذا قرب الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا} [الفرقان:54] الآية.

ومنها الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشيطان والتبرك باسمه، والإشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه.

ومنها: مشروعية ذكر الله تعالى ولو على غير طهارة، وأما ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يذكر الله إلا طاهرًا فذاك احتياط منه وزيادة في الورع تعظيمًا لذكر الله تعالى أن يكون على غير طهارة.

ومنها: أن فيه إشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته أعاذنا الله منه، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويكون على خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل عن ذكر الله وسوس، وإذا ذكر الله خنس، ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل، وتنحل بالذكر والصلاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت